
كيف نصدق الشخصيات القصصية أكثر من شخصيات نعايشها؟ كائنات ورقية لا وجود مادي ملموس لها نصدقها أكثر من جيراننا وأصدقائنا، وأحيانا نصدقها أكثر من بعض أفراد عوائلنا.
سأستعرض معك، صديقي القارئ في هذا المقال خلاصة قرن من صنعة الكتابة والنقد، من أرسطو إلى والتر وايت.
إذا سألنا قارئا عن حبكة رواية قرأها قبل عشر سنوات، فعلى الأغلب سيخلط الأحداث، وستكون رؤيته لتسلسل الحبكة ضبابية. أما إذا سألناه عن إحدى شخصية الرواية، فيصفها كأنه شاهدها البارحة: مشيتها، ونبرتها حين تكذب، مما تخاف، وماذا تحب؟
كانت تجربة قراءة رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ تجربة مميزة، فكررت القراءة، اليوم وبعد سنوات طويلة نسيت تفاصيل الحبكة، وبقي في ذاكرتي مشهد خروج سعيد مهران من السجن ولقاءه مع ابنته التي تعيش مع رجل كان يظنه صديقا، أما بقية تفاصيل الحبكة فتحتاج مني قراءة جديدة.
لماذا تقاوم الشخصيات الروائية النسيان وتذوب الحبكات؟
لأن الشخصيات هي ما يجعل القارئ يتابع القراءة، هي الكائنات الحية التي يتابع الحبكة من أجل أن يتعرف على مصيرها ونتائج صراعاتها، لأنها تشبهه، تمسه أو تمس شخصية يعرفها. وبالطبع ليست كل الشخصيات تقاوم النسيان وتبقى حية في ذاكرتنا، الشخصيات العصية عن النسيان هي الشخصيات التي صنعها الكاتب على أكمل وجه، يعرف الكاتب عنها أضعاف ما ظهر في العمل القصصي؛ فما ظهر كان يستند إلى ما خُبِّئ.
في مقال سابق “الشخصيات الروائية.. أوكسجين قصتك” شبهـتُ الشخصية بالأوكسجين[1] الذي يبثّ الروح في العمل الأدبي. ووعدتُ يومها بمقالات تتقصّى الشخصية الروائية ووظيفتها وأنواعها وسماتها. هذا المقال يفي بالوعد كاملاً، ونجمع فيه ما استخلصتُه من كتب ودراسات نقدية محكّمة كثيرة، كل ذلك نستخدمه بشكل عملي من خلال ملف تعريف الشخصية.
تعريف الشخصية الروائية
الشخصية الروائية كائن مصنوع من الكلمات، كائن من ورق، له رغبة يسعى إليها، وعائق يحول بينه وبينها، وتاريخ سابق أو ما يسمى بالخلفية الدرامية تفسّر تصرّفاته وتمنطقها.
إذا بحثت في محركات البحث ستجد العديد من التعاريف التعليمة الجاهزة، منها أن الشخصية القصصية هي “أحد عناصر العمل السردي” أو أنها ” المحور الأساسي والعمود الفقري الذي يدور حوله الخطاب السردي في القصة أو الرواية”، وهذه وغيرها تعريفات صحيحة بلا شك، لكنها لا تنفع كاتباً جالساً أمام صفحة بيضاء. ما ينفعه أن يعرف الفرق بين الشخص والشخصية: الشخص في الحياة يحتمل التناقض وغير معني بتفسير هذا التناقض، يكفيه وجوده. أما الشخصية فمطالَبة بمنطق داخلي يجعل تناقضها مفهوماً. البخيل الذي ينفق ثروته في ليلة واحدة شخص عادي في الواقع؛ وفي الرواية يحتاج جملة واحدة تجعلنا نصدّقه، تجعلنا نصدق هذا الانقلاب المفاجئ بين طبعه البخيل وإنفاقه السخية بتلك الليلة الغامضة.
وثمة سؤال يسبق هذا كله ويشغل كل متدرّب:
هل نبدأ من الحبكة أم من الشخصية؟
هنري جيمس سنة ١٨٨٤ أجاب عن هذا السؤال في مقال “فنّ الرواية”، عندما رفض التمييز المدرسي بين رواية الشخصية ورواية الحدث، وتسأل: وما الشخصية سوى ما يحدّد الحدث؟ وما الحدث سوى ما يوضّح الشخصية؟ ثم أعطى مثاله الشهير: امرأة تقف ويدها على الطاولة وتنظر إليك بطريقة معيّنة. هذا حدث.
وبذلك يرفض هنري جيمس الهندسة الميكانيكية في السرد؛ تلك التي تفصل بين “الحبكة” “ما يحدث” و”الشخصية” “من يفعل”، ويؤكد أن النص الروائي جسد واحد لا يمكن فصل نبضه الداخلي عن حركته الخارجية.
بالمقابل يحذّرنا ميلان كونديرا في “فنّ الرواية “من الإفراط في تصديق الشخصية؛ ذلك الكائن المتخيَّل، ويؤكد أن نقص المعلومات عنه، لا يجعله أقلّ حياة؛ إحياؤه يعني سبر أعماق مشكلته الوجودية. وضرب شخصية “دون كيخوته” كمثال حي على شخصية حية في الذاكرة، ويضيف أن الشخصيات القصصية تُولد من موقف أو جملة أو استعارة.
إذا وضعنا تعريف هنري جيمس إلى جانب تعريف ميلان كونديرا سنفهم لماذا يفشل معظم الكتاب في بناء شخصيات حية، إنهم يبنون أشخاصاً، ويفشلون في بناء شخصيات، والكتابة الإبداعية تطلب منهم بناء احتمال إنساني. ومن أراد أن يعود إلى نشأت هذا المصطلح وسياقات تطوره التاريخي فليعود إلى مقالة “الكتابة الإبداعية ومفهوم الأدب” فقد شرحتُ من أين جاء ولماذا ما يزال هناك خلط وتشويش في استخدامه عربيا .
أربعة وجوه للشخصية القصصية
أفضل وأنفع أداة تحليلية وجدتُها في هذا المجال “بنظري” هي “ساعة الشخصية” وهي أداة للباحث الألماني ينس إيدر شرحها في دراسة محكمة عنوانها “فهم الشخصيات” نُشرت في مجلة Projections سنة ٢٠١٠، وهي خلاصة كتابه “Die Figur im Film” ، وهذه الأداة تقرأ أربعة وجوه للشخصية:
السؤال الذي يجيبه | الوجه |
|---|---|
كيف نُحتت هذه الشخصية لغوياً أو بصرياً؟ وما هي الأدوات المحددة التي وظفها الصانع “بناء الجمل، طبيعة الحوار، الوصف، أو زوايا الكاميرا والإضاءة” لخلق هذا الوهم؟ | المصنوع “هندسة الوهم” |
لو افترضنا أن هذه الشخصية تتنفس خارج النص، فما هو محركها الأساسي؟ وما هي دوافعها العميقة، جروحها السابقة، وتناقضاتها النفسية والاجتماعية التي تجعل أفعالها مبررة وحقيقية؟ | الكائن خيالي “لحم ودم من خيال” |
أي فكرة كبرى أو قيمة مجردة تتخفى خلف ملامح هذه الشخصية؟ وما هو المعنى الأوسع الذي تجسده لخدمة البناء الموضوعي للقصة؟ | الرمز “نحو الداخل- عالم النص” |
أي فكرة كبرى أو قيمة مجردة تتخفى خلف ملامح هذه الشخصية؟ وما هو المعنى الأوسع الذي تجسده لخدمة البناء الموضوعي للقصة؟ | العَرَض “نحو الخارج -عالم الواقع” |
تطبيق عملي لأداة “ساعة الشخصية” على والتر وايت في مسلسل Breaking Bad :
المصنوع: “قبّعة ونظارات ورأس حليق وإضاءة صفراء”، وكائن خيالي “مدرّس كيمياء مريض في الخمسين”، ورمز “الرجولة الأمريكية المهدورة”، وعَرَض “نظام صحّي يُفلس مواطنيه فيدفعهم إلى الجريمة”.
في حالة والتر وايت، تعشقت التروس الأربعة بوعي تام من صُناع العمل. كانت القبعة الكلاسيكية السوداء “المصنوع” الدرع البصري الذي ارتداه معلم الكيمياء المكسور “الكائن الخيالي” ليخفي هشاشته البدنية، ويسترد فحولته المهدورة “الرمز”، كرد فعل حتمي على وحشية النظام الرأسمالي الذي يطحن مرضاه “العَرَض”. لو سقط ترس واحد، لانهار بناء “هايزنبرغ” “الهوية الإجرامية البديلة لوالتر وايت” بالكامل.
عندما يقتصر جهد الكاتب على الوجه الثاني وحده، فإنه يغرق في تكديس التفاصيل السطحية: ماذا يأكل بطله؟ ما هو لونه المفضل؟ متى بُترت إصبعه؟ ينتج عن هذا الاستنزاف كائن متخم بالمعلومات، لكنه أبكم سردياً ومقطوع الجذور. تموت هذه الشخصيات على الورق؛ الكاتب ترك لغتها، إيقاع خطواتها، وطول جملها الحوارية للصدفة “غياب المصنوع”، وأيضا جردها من ثقلها الموضوعي، فصارت مأساتها حدث عابر لا يملق عمق ودلالة “غياب الرمز”، كما عزلها عن الضغط السياقي والتاريخي، فبدت وكأنها تعيش في فراغ لا يمسها بتشوهاته “غياب العَرَض”.
التصميم العضوي للشخصية يفرض أن يصمم “وعاءً” فنياً دقيقاً، قادراً على حمل حمولة فكرية، وفضح واقع أوسع، عبر لغة وصورة محسوبتين بعناية.
في ملف تعريف الشخصية، نحن نعمل على الوجوه الأربعة، بينما أغلب ورش الكتابة وبطاقات رسم الشخصيات التقليدية تشتغل على الوجه الثاني وحده. الأوجه الثلاثة الأخرى تُترك للصدفة عند أكثر الكتّاب. وهذا يفسّر شخصيات مكتملة البيانات وميتة أدبيا.
وظيفة الشخصية في الرواية
أقدم جواب على هذا السؤال عمره أربعة وعشرون قرناً: أرسطو في “فن الشعر” يقدم الحبكة على الشخصية ثانية، ويقول إن المأساة محاكاة لفعل ينتج حدث. بينما نجد أن أدقّ جواب معاصر لهذا السؤال جاء من الروائي “روبرت أولن باتلر” في From Where You Dream “٢٠٠٥” ، إذ يرى أن الأدب فنّ التوق الإنساني، والحبكة ما هي إلا توق يُتحدّى ويُحبَط.
يمكن استخلاص أربع وظائف للحبكة من التعريف الموجز، وهي وظائف تعمل كحزمة، إذا تتعطّل وظيفة واحدة ترهّل النص:
أولها أنها تحرّك الأحداث، فالحدث ينتج عن رغبة اصطدمت بمانع. راسكولنيكوف في “الجريمة والعقاب” يقتل المرابية لأنه صدّق أنه من الرجال الاستثنائيين الذين تُباح لهم الدماء. الفكرة سبقت الفأس أو كعب الفأس التي قتل فيه المرابية، ونلاحظ أن الحبكة كلها تتدحرج من داخل رأسه، من داخل أفكاره. أما المانع فقد يكون شخصاً، أو مكاناً يقاوم صاحبه؛ وهذا ما فصّلته في “المكان في الرواية.”
وثانيها أنها تحمل الصراع، إذ يميّز جون تروبي في The Anatomy of Story “٢٠٠٧” بين ثلاثة مستويات يخلط بينها كثيرون؛ الرغبة وهي الهدف الخارجي المرئي، والحاجة النفسية وهي عيب داخلي مؤذي للشخصية فقط، والحاجة الأخلاقية وهي عيب يؤذي الآخرين وصاحبه يجهل أنه يؤذيهم. ووراء الثلاثة حدث سابق على القصة هو منبعها جميعاً نسميه الشبح.
استشهد جون تروبي بشخصية “ريك بلين” في الفيلم الأيقوني Casablanca. لتوضيح هذه الجزئية بدقة:
فالشبح “الجرح القديم” كان تخلّي “إلسا” عنه فجأة في محطة القطار تحت المطر بينما كان الألمان يجتاحون المدينة. هذا الجرح هو “الشبح” الذي أحال ريك من مناضل رومانسي إلى صاحب حانة ساخر في الدار البيضاء، يرفع شعاراً واحداً: “أنا لا أُخاطر من أجل أحد”.
بينما تجسدت الحاجة النفسية “كيف يؤذي ريك نفسه؟” بحياة ريك كجثة تتنفس، غارق في المرارة والشفقة على الذات. يدير حانته ببرود، ويشرب ليخدر ذاكرته. حاجته النفسية العميقة التي يجهلها هي أن “يتجاوز مرارته من إلسا ليجد سبباً للحياة مرة أخرى”. طالما ظل سجيناً لغضبه منها، فهو ميت من الداخل، يفتقر إلى أي هدف يجعله يستيقظ صباحا سوى جمع المال ومراقبة اللاجئين اليائسين.
أما حاجة الأخلاقية “كيف يؤذي ريك الآخرين؟” تجسد باختياره الحياد التام، ورفضه مساعدة اللاجئين المقهورين الذين يمرون بحانته بحثاً عن تأشيرات خروج، هو أذى أخلاقي جسيم. هو يتفرج على الظلم ولا يتدخل لأنه يضع ألمه الشخصي فوق مأساة العالم. حاجته الأخلاقية إذن هي أن “يكف عن أنانيته، وأن يدرك أن آلامه الشخصية لا تبرر تخليه عن مساعدة الآخرين”.
في النهاية تتلاحم هذه المستويات لإنتاج الحبكة؛ عندما تدخل إلسا حانته فجأة مع زوجها المناضل “فيكتور لاسلو”، تشتعل “الرغبة: ريك يريد استعادة إلسا”، وفي نهاية الفيلم، تحت ضباب المطار الكثيف، يتخذ ريك قراره الذي يصنع ذروة الحبكة عندما يتخلى عن رغبته، ويجبرها على ركوب الطائرة مع زوجها لمواصلة الكفاح ضد النازية.
بهذا الفعل الملموس لبّى حاجته الأخلاقية إذ ضحى بمصلحته الشخصية لإنقاذ حياة لاسلو وإلسا ودعم المقاومة، ولبّى حاجته النفسية عندها شُفي من مرارة باريس، واستعاد إيمانه بالقضايا الكبرى، ليجد في النهاية الصداقة “مع الضابط رينو” والهدف الشريف الذي سيعيش من أجله.
وثالثها أن الشخصية تقول فكرة الرواية دون أن تخطب؛ في “تغريبة القافر لزهران القاسمي، الفائزة بجائزة البوكر العربية سنة ٢٠٢٣، يسمع سالم خرير الماء في باطن الأرض، سمعُه هذا مهنة وموهبة ربانية ولعنة في نفس الوقت، وصمته يقول عن علاقة القرية بالماء ما لا تقوله عشر صفحات من التحليل.
ورابعها أنها تصنع الانخراط؛ انخراط القارئ في القراءة ومتابعة القراءة، يتابع من يقع عليه الحدث قبل أن يتابع الحدث. ولهذه الوظيفة تحديداً آلية دقيقة أفردتُ لها قسماً كاملاً أدناه.
أنواع الشخصيات في الرواية
تُصنَّف الشخصيات بثلاثة مقاييس متداخلة، أي ثلاثة معايير للتصنيف الشخصيات، والخلط بينها مصدر ارباك كبير في المحتوى التعليمي على وسائل التواصل، وأيضا “وهذا ما اكتشفته مؤخرا” في مقررات جامعية يدرسها أساتذة أفاضل.
أول هذه الأنواع، ما يصنف حسب بحسب الدور الذي تلعبه الشخصية، ووفقا لذلك تصنف الشخصيات إلى محورية تحمل الرغبة الأساسية، وشخصيات ثانوية تعارضها أو تعينها، وشخصيات عابرة تؤدّي وظيفة واحدة ثم تنصرف.
وثانيها ما يقاس بالتحوّل الذي يحدث للشخصية، وتصنف وفقا لذلك إلى شخصية نامية ومسطّحة، ويعود هذا التصنيف إلى إ. م. فورستر في محاضراته حول “أركان الرواية” بكامبريدج سنة ١٩٢٧، المسطّحة عنده تُختصر في جملة واحدة، وتبقى على حالها منذ بداية الرواية إلى نهايتها، والنامية تفاجئنا بإقناع.
وثالثها ما يحدد وفقا للوظيفة السردية، وهو تصنيف أسّسه فلاديمير بروب في “مورفولوجيا الحكاية” “١٩٢٨”، وهو ما سمي لاحقا بمقبرة الأقنعة، عندما شرح مئة حكاية شعبية روسية، فاكتشف سراً هيكلياً؛ الرواة يغيرون الأقنعة، ولا يوجد شخصيات جديدة، فالتنين الذي يختطف الأميرة، والساحرة التي تسمم التفاحة، وزوجة الأب التي تطرد الفتاة، شخصية واحدة تؤدي ذات الوظيفة.
حصر بروب هذه الأدوار أو الوظائف في سبع “دوائر فعل” فقط، أولها البطل وهو المحرك الأساسي للقصة، يحاول سد النقص أو إصلاح الخلل، ويجابه المعتدي “الشرير”، وهو ثاني وظيفة الذي يمثل القوة المضادة التي تسبب الخلل أو تعرقل البطل، ثم يأتي المرسِل، تلك الجهة التي تُخبر البطل بالنقص وتدفعه للانطلاق “مثال: ملك يطلب عشبة شافية”.
أما الهدف النهائي للرحلة فهو شخصية المطلوبة وهنا يجب أن نفرق بين البطل والشخصية المطلوبة، فهما يقفان على طرفي نقيض في المعادلة السردية، والخلط بينهما يهدم فهم البنية الأساسية للقصة.
البطل “الذات” هو الفاعل والمحرك. هو من يمتلك الرغبة، ويشعر بالنقص، ويحمل سيفه أو قلمه أو حقيبته ويتكبد عناء الرحلة، ويواجه الخصوم، بينما الشخصية المطلوبة “الموضوع” فهي الغاية والمكافأة، هي النقطة الثابتة في آخر الطريق التي يركض البطل باتجاهها، مثال عليها: أميرة مختطفة، أو كنز مفقود.
ثم يأتي دور الواهب تلك شخصية التي تظهر فجأة، وتمتحن البطل، ثم تمنحه أداة سحرية تعينه لاحقاً، وهي تشبه المساعد الذي يرافق البطل ويحمل معه عبء المهمة.
وأخيرا دور البطل الزائف الذي يظهر في النهاية ليدعي إنجاز المهمة ويسرق المكافأة، قبل أن يُفتضح أمره.
بالعودة إلى تقسيم فورستر الذي يناهز عمره قرن، لا بد من الإشارة جيمس وود في How Fiction Works “٢٠٠٨” هدمه هدماً مقنعاً؛ فالاستدارة مستحيلة في الأدب، لأن الشخصيات رغم حيويتها ليست كالبشر، كما يستنكر أن تكون السطحية عيبا سرديا، فيمكن أن تضيء كثير من السمات الإنسانية، فهوس شخصية ما أو أي صفة بشرية مركزية عندها، كالبخل المطلق أو الجشع أو الطموح الأعمى، يمكن أن تخلق منها شخصية خالدة ومهمة.. ولذلك يقترح مقياساً بديلاً أدق هو ثنائية الشفافية والعتامة؛ فبدلاً من أن تسأل: “هل تتطور شخصيتي؟”، الأجدر أن تسأل: “إلى أي حد سأسمح للقارئ باختراق جمجمة هذه الشخصية وقراءة دوافعها، وما هو الجزء الذي سأبقيه مظلماً وغامضاً؟”
بقيت نقطة أخيرة لم نناقشها بعمق، وهي موضوع الشخصية الثانوية، وأعمق طرح حولها جاء في كتاب أليكس ولوك The One vs. the Many الصادر سنة ٢٠٠٣، الذي تتلخص فكرتة العامة أن الرواية توزّع انتباهاً محدوداً على مجموعة من الشخصيات، وكل شخصية لا تتشكل إلا داخل فضائها الخاص المحدد لها؛ الشخصية الثانوية عنده ليست شخصية أقل أهمية، أو أقل دور ووظيفة، هي فقط مضغوطة في مساحة أضيق.
لنلخص كل ما سبق بقاعدة قابلة للتطبيق: لا تسأل: هل شخصيتي مسطّحة أم نامية؟ أو هل هي محورية أم ثانوية؟ أو هل هي مستديرة أم مسطحة؟ أو غيره من الأسئلة التي طرحت وكلها صحيحة في زاويتها.
أطرح سؤال أشمل؛ كم من الفضاء تستحقّ هذه الشخصية أو تلك؟ وما الذي أكشفه من دوافعها وما الذي أحجبه؟
سمات الشخصية الروائية
من أهم سمات الشخصية القصصية أنها تفرض حضورها الحسي أولاً؛ كأن تترك في غرفتها رائحة تبغ، أو تسحب كرسياً بطريقة خاصة، هذه التفصيلة الدقيقة المتفردة، تشكل العلامة الفارقة للشخصية، تمنحها ثقلها في النص وهذا ما نسميه التفرّد، يعزز هذا التفرد بسمه أخرى للشخصية تناقضها المفسَّر، مثل رجل يرقّ قلبه لقطة الشارع، ويجلد ابنه بالقول والفعل في المنزل. القارئ يقبل هذا التناقض عندما يعرف الجرح الكامن وراءه
والأهم من كل هذا هو الاتّساق، أي أن تتصرف الشخصية وفق منطقها الداخلي، حتى عندما يخالف هذا المنطق أراء الكاتب، ومصالحه الأنية في تسريع الحبكة مثلاً.
يضاف لذلك قابليتها للتغيّر، أي أن الشخصية الحية تشبه المعدن الذي يذوب ويُعاد تشكيله تحت حرارة الحبكة. الضغط والمآزق في القصة يجب أن تكسر في الشخصية يقيناً قديماً أو تبني فيها شيئاً جديداً، وهذا ما يسمى التطور؛ تطور الشخصية.
بالعودة للسمه الأولى التفرد “البصمة” “ندبة نادرة أو لزمة كلامية لا يشاركها فيها أحد”، هنا يجب تمييزها عن حضورها الحسي المميز “التجسد” “كيف يختبر القارئ الشخصية بحواسه: رائحة عطرها، أو ثقل خطواتها”.
هذا الحضور الحسّي كتبت فيه مقال نظري “الكتابة للحواس وبالحواس” مع تدريب صغير في نهايته، وعززته عملياً في “ورشة الكتابة بالحواس” ، حيث نعيد كتابة مشاهد عملك القصصي بجميع الحواس.
والسمة الثانية ” التناقض المستمر” أهم هذه السمات، ولها عند روبرت مكي في Story “١٩٩٧” صيغة حاسمة: تعدد أبعاد الشخصية يعني التناقض، إما داخل الأعماق كطموح مثقل بالذنب، وإما بين الظاهر والأعماق كلصّ فاتن.
غياب هذا التناقض يجعل الشخصية “سيرة ذاتية” مملة مسطحة، بينما وجوده ينفخ فيها الروح ويجعلها كائناً بشرياً حقيقياً ومربكاً.
ولمكي تحذير في الموضع نفسه، إذ يرى أن الشخصيات التي تفهم وتشرح نفسها مملّة وزائفة، لأن الجمهور يعلم أن الناس نادراً ما يفهمون أنفسهم. الشخصية التي تنطق بملفّها “ملف تعريف الشخصية” تموت.
وصف شخصيات الرواية
من أخطاء بعض الكتاب أنهم يجسدون ما كتب بملف تعريف الشخصية في نصوصهم، فيعطون القارئ بطاقة الهويةبشكل مباشر؛ طويل، نحيف، أسمر، عيناه عسليتان، هذا الوصف الجسدي التفصيلي هدر لطاقة القارئ، والقارئ سينسى هذه المعلومات المكدسة في نهاية الفقرة.
يسمّي جيمس وود ما يُنقذ الوصف الهذيّة thisness أو “الهوية الفردية “ ، وهي التفصيلة التي تجعل الشخصية متفردة وهذا يتقاطع مع سمة التفرد التي درسناها في الفقرة السابقة، لكننا هنا نعني إضافة التفصيلة الدالّة التي تغني عن عشرات التفصيلات المتفردة لكنها محايدة، فإذا أخبرنا الكاتب ماذا تفعل يد شخصيته حين تكذب، وأيّ جزء من جسدها تُخفيه في الصور، وكيف تبدو حين تُفاجا؟ يكون أوصل لنا ” الهذيّة” بأبها صورها.
قد يبدو ذلك كلام نظري، ونحن عودناكم في منصتكم التدريبية “سرديات” أن نطرح الجوانب العملية التطبيقية، لذلك حصرنا طرائق تقديم صفات الشخصية في ستة طرائق، تجمعها ورش وكتب الكتابة الإبداعية في الجدول التالي:
مباشرة | غير مباشرة |
|---|---|
المظهر، الكلام، الفعل، الفكر | تأويل الراوي، تأويل شخصية أخرى |
والأقوى والأكمل هو ما تقوله شخصية عن أخرى، وهذا يبني الشخصيتين معاً.
في رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” لمحمد النعّاس، الفائزة بالبوكر العربية سنة ٢٠٢٢، يخبز ميلاد الطحين في مجتمع ليبي يرى الخَبز عمل النساء، عجينة واحدة قالت عن رجولته المشكوك فيها ما تعجز عنه صفحات من الأوصاف الجاهزة.
هذا وبعد دراسة كل ما سبق، يمكنني أن أعطيك قاعدة قابلة للتطبيق، وهي خلاصة ناتجة عن قراءة عشرات الروايات الفائزة بجوائز عالمية، عربية كانت أو مترجمة، وجدت أن القاسم المشترك بينها أن الوصف يعمل، ويؤدي الغرض منه، وما يجعله يعمل هو أن كل تفصيلة تحمل سمة داخلية أو تُنبئ بحدث قادم.
ملف تعريف الشخصية
ملف تعريف الشخصية أداة تطبيقية مكونة من أوراق عمل تفاعلية يملؤها الكاتب قبل الكتابة، يجيب فيها عن أسئلة تكشف دوافع شخصيته ورغباتها ومخاوفها وعيوبها، وكل ما يتعلق بها، لا تدخل هذه الأجوبة في الرواية بشكل مباشر؛ يدخل أثرها، ويهدف هذا الملف إلى بناء الشخصيات الروائية من “الداخل” وتشكيل وعيها ومنطقها النفسي، إضافة إلى بناءها الخارجي المعتاد “كالاسم، المهنة، والملامح..”.
صصمنا هذا الملف خصيصاً لمعالجة مشكلة “الشخصيات المسطحة أو الباردة”، بحيث نمكن الكاتب من الغوص عميقا في أغوار شخصياته، وكأنه يطرح عليها أسئلة استجواب أو يعالجها نفسياً.
باختصار، المُخرَج النهائي لهذا الملف هو تزويد الكاتب بـ “بوصلة إرشادية” ومنطق داخلي متماسك يجعله قادراً على معرفة كيف ستفكر شخصيته، وكيف ستتصرف، وماذا ستقول قبل أن يشرع فعلياً في كتابة النص.
وأصل الفكرة يعود إلى لايوش إيغري في The Art of Dramatic Writing ، وسمّاها البنية العظمية للإنسان ويتمثل وفقا للايوش بثلاثة أبعاد الفيزيولوجي والسوسيولوجي والسيكولوجي، والثالث حاصل البعد الأول والثاني، ويتمثل عمليا بأننا ندرك لماذا هذا الشخصية بخيلة أو فظّة أو مهذّبة أو متديّنة أو ملحدة؟ أي نعرف الأسباب المؤدية لهذا السلوك.
وهذه الأسئلة وما ورائها أخذتُهما من تشارلز باكستر في كتابه “فن النص التحتاني: ما وراء الحبكة” “The Art of Subtext: Beyond Plot” الصادر عام 2007، ويسمّي الأسباب الكامنة وراء السلوك “الفكرة التي لا تُفكَّر”، قد تكون الترجمة شبه حرفية لكن بمزيد من الشريح يمكن أن يتضح المعنى، فهو يقصد بهذه الفكرة المنطقة العمياء في ذهن الشخصية، بعبارة أوضح؛ الفكرة التي تهدّد وجود الشخصية، فتُدفع “الفكرة” إلى هوامش الذهن حيث تتقيّح”Festers”.
ولباكستر في الكتاب نفسه قاعدة في أربع كلمات تصلح كورشة تدريبة كاملة؛ صناعة المشهد إخراجٌ لرغبة.
عندما يقول باكستر: “صناعة المشهد إخراجٌ لرغبة”، فهو يخبرنا أن المشهد السردي الناجح يتمخض من إجابة الكاتب على سؤال قاسٍ: ما الذي تريده هذه الشخصية في هذه اللحظة تحديداً؟
هو يتحدث عن الرغبة؛ تلك طاقة الخفية التي لا تُرى بالعين المجردة، ونحن ككتاب لا يمكننا أن نكتبها دون بناء حيز مكاني ” مشهد” ونجعلها تحرك الشخصية داخله كما تتحرك الخيوط دمى مسرح العرائس. وهذا هو “الإخراج” الذي يقصده باكستر.
في “ملف تعريف الشخصية الروائية“، جمعت جميع الأسئلة التي يمكن أن تغطي جميع جوانب الشخصية في ملف تفاعلي، ديناميكي، قادر على تجسيد الشخصية أمامك، لم اعتمد على الدراسات السابقة التي ذكرت، إنما اعتمدت على أحدث الدراسات النقدية والنماذج الحديثة، والتي تميل إلى الشمول مع التبسيط، يمكنك أيضا حضور “ورشة أركان الرواية” للتعرف على جوانب ركن الشخصية التي يغطيها الملف، وبالتأكيد عند التسجيل بورشة الشخصيات القصصية تحصل على ملف تعريف الشخصية مجانا مع جلسات لتطبيقه على شخصيتك المحورية.
اختبار الضغط: كيف تعرف أنك بنيتها فعلاً
وملف تعريف الشخصية المكتظ بتفاصيل الملابس، وطريقة المشي، ونوع المشروب المفضل يخلق دمى ترتدي أقنعة خارجية قد تكون مزيفة، وقد لا تكون، القناع الخارجي، ولتجاوز هذه الأقنعة نحو الجوهر الإنساني لشخصيتنا الحقيقية، لا بد من حشر الشخصية في زاوية ضيقة، ونعتصرها بتقليل خيارتها، هذا هو الاختبار عند مكي “بسيط وقاسٍ”، وكلما زادت جرعة القسوة تنكشف زادت أغوار الشخصية التي تنكشف لنا.
وبعبارة أخرى: اللحظة التي ينكشف فيها جوهر الشخصية هي لحظة الضغط القصوى، فالموظف الذي يرفض رشوة وهو يملك ثروة، لم يختبر حقيقة نزاهته بعد؛ الموقف بأكمله بلا رهانات. لكن دعه يغرق في الديون، وضع طفله على سرير المرض، ثم اعرض عليه المال. اختياره في تلك اللحظة، والمسدس مصوب نحو جدار أخلاقه، هو هويته الخالصة التي لا تقبل الزيف.
ومثال على ذلك؛ الكاتب الذي يبني شخصية تقول الصدق في موقف لا ينفعها فيه الكذب، هو يبني مشهدا فارغا، بينما الكاتب الذي يبني شخصيته التي تصرّ على الصدق، عندما تنقذ حياتها كذبة، فهذه الشخصية جوهرها الصدق. والكذبة تنقذ حياته، فالصدق جوهره، والأمثلة بموروثنا الإسلامي كثيرة؛ فأبوا عمار بن ياسر رفضا التلفظ بكلمة الكفر، رغم أن هذا الخيار كان سبيل نجاتهما من الموت، وهو مسوغ شرعاً ومنطقاً. وفي المقابل، أخذ ابنهما عمار بهذا الخيار “التقية” لينجو بنفسه. وكلا الموقفين “عزيمة الأبوين ورخصة الابن” يقدمان دليلاً دقيقاً وتطبيقاً صحيحاً لما سبق تقريره.
ولمكي في السياق نفسه ملاحظة تشخيصية تُشرح مشاكل معروفة ” الميلودراما الناتجة نقص الدافع، مع فرط التعبير، وفائض من المشاعر”؛ فعندما تغيب الدوافع العميقة والمقنعة، ينهار النص الدرامي. العجز عن خلق محرك داخلي حقيقي للشخصية يدفع الكاتب لتعويض هذا الفراغ بالضجيج؛ موسيقى تصويرية صاخبة، مبالغات حركية، وصراخ، وحوارات.
ضع هذه القاعدة إلى جانب الشرير المطلق في الدراما العربية، ذاك الذي يؤذي لأنه شرير ولسان حاله يقول: «أنا هنا لتكرهوني». مشكلته أنه بلا رغبة كافية تفسّر أفعاله، فيعوّض الكاتب النقص بالصراخ والموسيقى. الشرير المقنع لا يرى نفسه شريراً أبداً، وله تبرير يصمد أمام مرآته كل صباح.
لهذا السبب يسقط “الشرير النمطي” في الدراما العربية الرديئة، فنجده يؤذي الآخرين وكأنه وُلد لإثارة المشاكل دون منطق مبرر. بينما الشرير المرعب والمقنع، يمتلك منطقاً داخليا محكما؛ يقف أمام مرآته كل صباح، يسوي ياقته، ويمضي لارتكاب فظائعه بقين راسخ دون ذرة شك؛ هو مؤمن بما يفعل.
لماذا يتعلّق القارئ بالشخصيات القصصية؟
“. والحقيقة أن العملية سلّم من ثلاث درجات، وضعه موراي سميث في Engaging Characters “١٩٩٥، وطبعة ثانية عن أكسفورد ٢٠٢٢”، ورفض فيه مصطلح التماهي لغموضه:
هذا السؤال من أعقد وأصعب الأسئلة التي تطرح في ورش الكتابة الإبداعية، ولعل الأجوبة التقليدية، المكررة عنه تسبب معضلة في عالم تدريب الكتابة الإبداعية العربي، فغالبا تُختصر الأجوبة في تلقين “التماهي” كتقنية شبه وحيدة لتحقيق هذا التعلق المزعوم.
أي يطلبون من الكاتب أن “يتماهى” “Identifies” مع البطل، فيبدأ الكاتب كتابة البطل كأنه يكتب سيرة ذاتية، فيستخدم المنظور الأول، فيوافق على كل أفعاله.
ولعل الإجابة الصحيحة لهذا السؤال تتطلب الانتقال من النقد الأدبي التقليدي إلى “الدراسات المعرفية للأدب” “Cognitive Literary Studies”، لتفكيك الآلية النفسية والعصبية، وفهم كيفية عمل الدماغ البشري أثناء القراءة.
ولعل الفضل بتفكيك هذه الخرافة “التماهي” يعود إلى موراي سميث في كتابه Engaging Characters، عندما صاغ “هيكلية التعاطف”، مقسماً إياها إلى درجات حسية ملموسة، أولها التعرّف، فالدماغ يحتاج في البداية أن يجمع الإشارات “الاسم، الشكل، السلوك” ليخلق صورة متماسكة للشخصية لها ويرسم هويتها المستقرة، وهذا يحتاج زمن.
ثم تأتي مرحلة المحاذاة، وهي المطبخ السري للرواية، فالقارئ لا يحب الشخصيات فجأة، إنما يحتاج أن يرافقها فترة من الزمن، فيرتبط بها مكانياً وزمانياً وهذا ما يسمى “الالتصاق”، وهذا الالتصاق يمكن القارئ من التلصص على أفكار الشخصية ومخاوفها، وأفكارها، وهذه المرحلة الأخيرة “النفاذ”.
بعد هذه المراحل ” التعرف، والمحاذاة” تأتي مرحلة الولاء، كنتيجة وتحصيل حاصل، وهنا فقط تكتسب الشخصية تعاطف القارئ.
ويمكن تلخيص هذه المراحل بالجدول التالي:
ماذا تعني؟ | الدرجة |
|---|---|
أن يميز القارئ هذا الكيان بوصفه شخصية، ويرسم بذهنه هويتها المستقرة عبر المشاهد | التعرّف |
وعنصراها: الالتصاق “مع من يقضي وقته؟” والنفاذ ” ماذا يعرف عن حالتها الداخلية؟” | المحاذاة |
الحكم الأخلاقي: أيجدها جديرة بتعاطفه؟ | الولاء |
والقاعدة العملية التي تخرج من السلّم أن أكبر وأكثر الأخطاء في رسم الشخصيات تكمن في القفز إلى الولاء قبل أن تبني المحاذاة، أي مطالبة القارئ أن يبكي على موت شخصية في الصفحة الخامسة “يطالب بالولاء”، بينما القارئ لم يقضِ معها وقتاً ولم يعرف ما بداخلها “غياب المحاذاة”. الكاتب المتمرس يورطك في يوميات قاتل مأجور ويجعلك تسمع نبضات قلبه المتسارعة، لتجد نفسك فجأة تتمنى ألا تقبض عليه الشرطة.
وتحت هذا السلّم توجد آلية ذهنية معقدة يلخّصها آلان بالمر في Fictional Minds “٢٠٠٤” بعبارة مرجعية: قراءة الرواية قراءةٌ للعقول. فالبشر مهووسون بتخمين ما يدور في رؤوس الآخرين، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ “نظرية العقل”
ويضيف إننا عندما نقرأ رواية، فإننا نمارس لعبة: نجمع فتات الإشارات لنبني “وعياً” للشخصية. الصراع في أي قصة هو اصطدام بين نوايا وتوقعات الشخصيات “سردياتهم المضمنة”. بعبارة أوضح؛ أن القارئ يصنع وعياً متّصلاً من إشارات متناثرة، ويقرأه بوصفه سرداً مضمَّناً داخل سرد الرواية، وأن اجتماع هذه السرود المضمَّنة هو الحبكة.
الآن، كل ما سبق كلام نظري قابل للتطبيق، لكننا بحاجة لأداة لقياس مدى دقة التطبيق ومستوياته، وحدوده، وهذا ما، اشتغلت عليه ليزا زونشاين في Why We Read Fiction “٢٠٠٦”، ووصلت لما يسمى “مستويات القصدية المضمَّنة“، وهي سلاسل من نوع : “أ يريد أن يصدّق ب” يصدقه بماذا؟ يصدقه أن “ج يظنّ س”.
وتستشهد بتجارب تدلّ على أن كثيرين يفقدون تتبّع السلسلة بعد أربعة مستويات، لذلك ينصح ألا نتجاوز في مشهد سوء الفهم أربعة مستويات، فوق هذه المستويات الأربعة سيفقد القارئ تركيزه وفهمه للشخصيات والأحداث وسلاسل القصدية.
فالعقل البشري يختنق إذا تعقدت سلاسل النوايا، مستوى واحد سهل، “زيد يحب هند”. مستويان: “زيد يعتقد أن هندا تحبه”. ثلاثة مستويات: “هند تعرف أن زيداً يعتقد أنها تحبه”. إذا تجاوزت أربعة مستويات في مشهد سوء فهم متبادل، سيفقد القارئ تركيزه تماماً ويسقط من النص.
وتضيف بليكي فيرميول في Why Do We Care about Literary Characters? “٢٠١٠” تفسيراً لمحبة القراء بالشخصيات الشريرة، أو الماكرة، لماذا نحب شخصيات شريرة أو متلاعبة مثل “والتر وايت” في مسلسل Breaking Bad؟
تفسر ذلك بالاعتماد على التطور البيولوجي. النجاة في المجتمعات البشرية القديمة والحديثة لم تكن للأقوى عضلياً، بل للأذكى اجتماعياً “الذكاء الميكيافيلي”. نحن ننجذب للشخصيات التي تبرع في قراءة عقول الآخرين والتلاعب بهم، لأن أدمغتنا تستمتع بمراقبة هذه المناورات لتتعلم منها في بيئة افتراضية آمنة “الرواية”، دون أن ندفع ثمن أخطاء هذه الشخصيات في الواقع.
وختاما لابد من تصويب بعض الأكاذيب الشائعة المنتشرة في المواقع العربية، مثل “فضيحة دراسة Science”. ففي عام ٢٠١٣، نشر كيد وكاستانو دراسة في المجلة المذكورة، ادعيا فيها أن قراءة مقاطع قصيرة من “الأدب الرفيع” “مثل تشيخوف” يحسن قدرة القارئ على قراءة أفكار الآخرين والتعاطف معهم، مقارنة بقراءة الأدب الشعبي.
اعتبرت الصحافة الثقافية هذا الخبر دليلاً قاطعاً على سمو الأدب، لكن العلم لا يعترف بتجربة لا يمكن تكرارها، وهذا ما لم يحدث، فقد حاولت عدة فرق بحثية مستقلة “أبرزها فريق الباحثة ماريا يوجينيا بانيرو” إعادة التجربة على آلاف الأشخاص، وكانت النتيجة صفراً. قراءة قصة قصيرة لا تحولك إلى إنسان أكثر تعاطفاً في نفس اللحظة. الأثر الحقيقي، كما يختم النص، تراكمي طويل الأمد، يحدث عبر سنوات من القراءة والمحاذاة المستمرة مع حيوات الآخرين.
أي أن جلسة قراءة واحدة لا تصنع شيئاً، وعمراً من القراءة قد يصنع إذا توفرت له عدة مقومات أهمها حس مدرب وعقل عارف بالأدب وقواعده كما تعلمنا في ورشة صنعة الكتابة والتذوق الأدبي، وهذا ما اشتغلتُ عليه في “لماذا نقرأ الأدب؟”، وما نمارسه فصلاً فصلاً في “ورشة القراءة الواعية للرواية“.
بناء الشخصيات الروائية: دروس سردية في التجسيد البصري من الدراما التلفزيونية
يخفي الروائي المعاصر ما يتعلمه من الدراما التلفزيونية، وبعضهم خصوصا في عالمنا العربي يزدرون الدراما وينتقصون منها، لدرجة أن البعض يناقش هل الدراما التلفزيونية فن مثل السينما أم لا؟.
وقد ألمحت إلى ذلك في نهاية مقال ” قراءة الأفلام وتقييمها بين الموضوعية والآراء الشخصية”، ولعل أفضل من رصد هذه الظاهرة “إنكار الروائي استفادته من مشاهدة الدراما” جيسون ميتل في كتابه ” بنية السرد في دراما التلفزيون” في فصل الشخصيات.
يستند هذا الفصل على تمييز روبرتا بيرسون بين شخصيات المسلسل التلفزيوني وشخصيات العمل الروائي؛ إذ تتسم شخضيات الأول بـ”التراكم والتفصيل”، بينما تمتاز شخصيات الثاني بـ”التطور”.
والتطور في النقد الروائي يعني أن تكتشف الشخصية ذاتها وتتغير وفقا لذلك؛ بينما المسلسلات التلفزيونية تتطلب استقراراً وظيفياً للشخصية لضمان استمرار العمل، لذا تُبنى الشخصية بتراكم تفاصيلها وعمقها، ولا يغامر كتاب الدراما بتغيير جوهرها.
وعندما يحدث التغيير في الدراما، يحصره ميتل في أربع مسارات، أولها النمو وهو نضج بيولوجي طبيعي، وثانيها التعلّم أي تعديل سلوك الشخصية نتيجة تجاربها، مع بقاء جوهر الأخلاقي دون تغيير، ولو تغير جوهرها لأصبح تطورا. مثل: الضابط كارفر في مسلسل The Wire.
وثالثها الإحلال، وهو استبدال جذري ومفاجئ للشخصية بكيان آخر نتيجة قوى خارجية. مثل: لوك المزيف في مسلسل Lost.
وأخيرا التحوّل وهو إعادة إنتاج القيم الأخلاقية وصورة أخرى للذات، مثل: والتر وايت في Breaking Bad، لكن ولتر بدأ المسلسل كشخصية شريرة، لها منطق داخلي محكم، هذا لا تعتبر تطور إنما تحول وفق جيسون ميتل .
يضع ميتل اختبارا عمليا لقياس تطور الشخصية، وهو الاختبار الذي نعتمده في منصة طِرْس، ويتجسد بالإجابة عن السؤال التالي:
لو واجهت الشخصية القديمة موقفَ معين، وواجهت الشخصية الجديدة الموقف ذاته، هل سيختلف سلوك الشخصية الجديدة؟
بطرح هذا السؤال على شخصية توني سوبرانو في مسلسل آل سوبرانو، نكتشف أن سنوات علاجه النفسي لم تبدّل جوهره؛ فتوني الموسم الأول سيتخذ قرارات الموسم الأخير ذاتها.
الدرس الأعمق للروائي هنا يكمن في التخلي عن ظروف الحال، فالشاشة لا تكتب: “حدق الضابط بغضب”؛ بل تُجبر المخرج على تجسيد شعور الغضب بلغة الجسد “بتشنج الفك”، والسياق، وذاكرتنا بمواقف مشابهة.
وأشهر تطبيق لهذه القاعدة في نهاية الموسم الأول من Homeland، كاري تدّعي كاري تماسكها، لكن الجدارية الملوّنة التي بنتها في نوبة هوس تفضح حالتها، وتفضح انهيارها العقلي، وتثبت في اللحظة ذاتها عبقريتها في كشف الحقيقة؛ فقد ثبتت الصور والوثائق والملاحظات وربطتها بخيوط ملونة لتتبع الشفرة والزمن والروابط الخفية. هذه اللوحة نطقت بما تعجز عشرات الصفحات من كشفه.
هذا الدرس العميق للروائي الذي تُلقنه له الشاشة، يقابله درس أوضح يتعلق بالوصف، وهذه المرة نتلقاه من الممثل ” براين كرانستون” الذي لعب والتر وايت في مسلسل Breaking Bad، إذ يروي أنه اقترح على ڤينس غيليغان أن تكون تمر هندسة بؤس والتر وايت بمرحلتين، الأولى قبل خروجه من عالمه الاعتيادي؛ شارب باهت، ملابس تذوب في لون الحائط، وجسد مهزوم، هذا العدمية البصرية تبرر لاحقاً عند ولادة الشخصية المرعبة بالمرحلة الثانية برأسها الحليق وقبعتها السوداء.
على النقيض من هذا، نجد يروز Dexter كفخ سردي؛ إذ سُجنت الشخصية ضمن محددين، القتل المستمر لاستمرار المسلسل، والالتزام بقواعد أخلاقية صارمة لكسب محبة الجمهور. خنقت هذا المحددات أي مساحة للشخصية لتتغيّر فيها. نستخلص من ذلك، أن الفكرة التي تمنع الشخصية من التغير، هي فكرة دوارة، والشخصية تبقى تدور في فلك محدداتها الصارمة.
حدود ملف تعريف الشخصية: ما يعرفه الكاتب وما يراه القارئ
قبل تصميم ملف تعريف الشخصية، قرأت عشرات الكتب التي تناولت تأصيل هذه الفكرة، وأطلعت على معظم التجارب المنشورة، وحصلت على عدة ملفات تعريف للشخصيات صممها روائيين ومدربين كتابة، وما وجدته أن جميع هذه الملفات تعمل بشكل جيد، لكن تكمن المشاكل في التطبيق، فغالبا ما يحدث عدم توازن بين تفاصيل الشخصية الكثيفة وما يجب حجبه عن القارئ.
وهذا ما يسميه ستيفن غرينبلات “عتمة استراتيجية”؛ إذ حلل طريقة شكسبير فوجد أنه يتعمّد إخفاء الدوافع التفسيرية والمبررات الأخلاقية لأبطاله (مثل: تردد هاملت، دوافع ياغو، وقرار لير بتقسيم مملكته). هذا الحذف يصيب عصفورين بحجر واحد، فهو يصنع الغز، ويخلق “عتمة استراتيجية” تجعل المشاهد أدوم في الذاكرة الإنسانية.
يؤكد جيمس وود هذه الفكرة من خلال نقده اللاذع لفخ الخلفيات المكدسة، فهو يرى أن بعض الكتّاب يعوضون ضعفهم السردي بتكديس المعلومات عن خلفيات الشخصية تنفيذا لنصائح ورش الكتابة، وتدعمه آيريس مردوخ باعتقادها أن الكاتب مهما بلغت درجة تعمقه الكاتب علم الاجتماع وسلوك الناس، فلن يمتلك المعرفة الكاملة التي تتيح له خلق شخصية منفصلة عنه، لا بد أن يبقى هناك خيط رفيع يربط أي كاتب وشخصياته وهذا أيضا ما يؤكد عليه أورهان باموك صاحب رواية اسمي أحمر والحاصل على جائزة نوبل للأدب.
الآن نصل إلى السؤال الحاسم، والذي يمثل جوهر ملف تعريف الشخصية الذي صممناه في هذه المنصة. السؤال؛ كيف نوفق بين منهج إيغري الذي يطالب بملء كل تفاصيل الشخصية، ومنهج كونديرا الذي يرى أن نقص المعلومات عن الشخصية لا يضر النص؟
ما توصلنا إليه بعد سنوات من البحث في هذا الموضوع، وصممنا ملف تعريف الشخصية وفق له، أن الملف أداة للكاتب لـ”يعرف”، وليس أداة لـ”يعرض”، وبذلك فعندما يملأ الكاتب الخانات ويجيب عن الأسئلة تكون غايته المعرفة، هنا الملف يعمل كأداة معرفة، وما يجب أن يفعله الكاتب أن يحذف 90% من هذه التفاصيل النص النهائي، وبذلك يمكن أن نجسد شخصية حية تُشعر القارئ بدوافعها الخفية ومبررة لأفعالها وسلوكها، دون تصرّيح مباشر.
لا أزعم هنا أن هذه القاعدة تحسم كل الحالات، فهناك روايات عظيمة تشرح شخصياتها وتنجح، وأخرى تبالغ في الغموض فتفشل. لكنّي رأيتُ العطب الأكثر شيوعاً على طاولات الورش هو تقديم الكاتب لمعلومات كثيرة “عن” الشخصية بدلاً من أن يكتب “بها”؛ مما يجعل المشهد ينتهي ميتاً رغم امتلاء ملف الشخصية.
ونتيجة لكل هذه الأسباب والإشكاليات، فإننا نقدم مع ملف تعريف الشخصية جلسة لمدة ساعتين لشرح كيفية استخدمه بالطريقة المثلى.
تدريب عملي: من ملف تعريف الشخصية إلى القصة والرواية
لتجسيد ما سبق عمليا بخطوات بسيطة وبشكل مختصر، ما عليك إلا أن تستدعي شخصية من مشروعك القصصي، واكتب في أعلى ورقة A4، وبسطرين، إجابة مكثفة عن سؤال يتعلق بالكذبة التي ترددها الشخصية، أو تلك التي تخدع بها نفسها بشكل واع أو غير واع، ثم اقلب الورقة.
انتقل بعد ذلك إلى بناء مشهد من خمسة أسطر، يركز على حدث أو حركة أو عادة أو موقف يفضح هذه الكذبة ضمنياً، دون حوار أو جمل سردية تفسيرية. ولتعميق الأثر، يمكنك تنفيذ “اختبار الضغط” عبر رفع التكلفة؛ أنت الآن عزيزي الكاتب تتسأل ما المقصود برفع التكلفة؟
رفع التكلفة يعني أن تجعل ثمن انكشاف الكذبة باهظاً على الشخصية؛ أي أن تضعها أمام خيار قاسٍ تفقد فيه شيئاً ثميناً بالنسبة لها، مالاً أو موقعاً أو حبيباً، إن أرادت أن تكون صادقة. هذا الضغط يجبر الشخصية على الانكشاف الحقيقي، فيتحول المشهد من حركة باهتة إلى صراع درامي حيّ ينبض بالخسارة والمجازفة.
الآن؛ أعد صياغة الأسطر الخمسة في ضوء المستجدات. سيتجاوز النص الجديد الوصف التقريري ويخلق شخصية حيّة.
حين تنجح في ذلك؛ ستكون قد كتبت الشخصية، وتجاوزت أعطاب الكتابة عن أوصاف الشخصية، وتكون بذلك تعلمت أن الشخصية إذا امتلأ ملفها بشكل محكم، وأحسنت تحديد مواضع الكشف والحجب فإن ملف تعريف الشخصية قد عمل بشكل صحيح.
أسئلة شائعة
ما تعريف الشخصية الروائية؟ كيان من ورق مصنوع بالكلمات، له رغبة يسعى إليها، وعائق يحول بينه وبينها، وتاريخ سابق عن تجسده الورقي، يفسّر تصرّفاته على الورق. واختلافها عن الشخص الواقعي أنها مطالَبة بمنطق داخلي يجعل تناقضها وتصرفاتها، وسلوكياتها مفهوماً.
ما أنواع الشخصيات في الرواية؟ تُصنَّف بثلاثة مقاييس: بحسب الدور “محورية ورئيسية وثانوية وهامشية، وعابرة”، وبحسب التحوّل “نامية ومسطّحة عند فورستر”، وبحسب الوظيفة السردية “البطل والمعتدي والمساعد والواهب عند بروب”.
ما الفرق بين الشخصية المسطّحة والنامية؟ المسطّحة تُختصر في جملة واحدة وتبقى على حالها؛ والنامية تفاجئ القارئ بإقناع، وتتغيّر تحت الضغط. ويرى جيمس وود أن التسطّح ليس عيباً؛ إذا أضاءت الشخصية سمة إنسانية أساسية.
هل ملف تعريف الشخصية ضروري؟ هو أداة معرفة للكاتب، واستخدامه كأداة عرض ونشر يعد خطأ إبداعيا يقع فيه كثير من الكتاب، املأه لتعرف أجوبة شخصيتك، ثم احذف معظمه.
في أدبيات النقد الغربي وورش الكتابة الإبداعية، الاستعارة الأكثر شيوعاً وتوثيقاً هي أن الصراع هو أوكسجين القصة (Conflict is the oxygen of the story)، ويُستخدم هذا التعبير عادة للتأكيد على أن غياب التوتر يخنق النص ويميته تدريجياً، ولعل منصة طِرْس“منصة الأدب والكتابة الإبداعية” أول من نقل هذا التشبيه إلى الشخصية وهذا منطقي فالشخصية هي الحامل الطبيعي للصراع. ↑
[…] مكان تاريخه الخاص وحاضره الذي يُؤثر في أحداث القصة وشخصياتها. تخيّل رواية تدور أحداثها في مدينةٍ قديمة، فالمكان […]