يُتداول مصطلح “الكتابة الإبداعية”، بكثافة في المنتديات الثقافية ووسائل الإعلام، هو مصطلح حديث نسبياً لا أصل له في كتب الأدب العربي التراثية، وقد لا نجد دراسات تبحث في أصل هذا المصطلح ومتى بدأ استخدامه في الثقافة العربية، فأغلب الأكاديميين المتخصصين في الأدب يقرون أنه مصطلح مستورد، لا يعرف على وجه الدقة متى بدأ استخدامه، ومن نقله إلى اللغة العربية.
البعد الدلالي لمصطلح “الأدب”
ما الأدب، هو عنوان كتاب للفيلسوف والروائي الفرنسي جان-بول سارتر الذي يناقش فيه ثلاثة موضوعات رئيسة “ ما الكتابة؟، ولماذا نكتب؟، ولمن نكتب؟”.
فإذا حاولنا الإجابة عن هذا السؤال فيما يخص الأدب العربي، سنجد أن الإجابة تختلف من عصر إلى آخر، ففي الجاهلية وصدر الإسلام ، كان دلالة المصطلح “ الأدب” تأخذ دلالتها من المَعنى اللغويّ المَأخُوذ مِن “مَأدُبَة” أيِ: الوليمة. ثم اتخذ بعد ذلك دلالة أخلاقية وتهذيبية، في العصر الأموي، فظهر “المؤدبون” الذين كانوا يعلمون أبناء الخلفاء، ثم أصبح يُطلق على كل العلوم.ثم تخصص المصطلح في العصر العباسي، بالذين يحفظون الشعر ويعرفون الوزن والإيقاع.
وهكذا نجد أن دلالة الأدب تدحرجت، وتغيرت عبر الزمن، وصولا للعديد من المعاني في العصر الحديث، تجتمع تحت مظلة المعنى الإنساني المجرد، فالأدب “فن جميل يتوسل بلغة” عند طه حسين، وهو “فن الإبانة عمّا في النّفس، والتّعبير الجميل عن مكنون الحسِّ، والتَّصوير النّاطق للطّبيعة، والتّسجيل الصّادق لصور الحياة ومظاهر الكون ومشاهد الوجود” عند محمد الخفاجي في كتابه “الشّعر الجاهلي”.
منشأ الكتابة الإبداعيّة
ظهر مصطلح “Creative writing” (كتابة إبداعية) -لأول مرة- في خطاب “الباحث الأميركي/ The American Scholar” لـ “رالف إميرسون”. في 31 أغسطس 1837، لكن دروسا في “الكتابة الإبداعية” في جامعة هارفارد، تأخرت إلى عام 1885.
أنشئ أوّل برنامج رسميّ للكتابة الإبداعيّة بدرجة ماجستير في جامعة إيست أنجليا عام 1970، من قبل الروائيّين مالكولم برادبري وأنجوس ويلسون.
وفي عام 1970 افتُتِح البرنامج الأول للكتابة الإبداعية على مستوى الدراسات العليا (ماجستير مهني) في جامعة East Anglia، بدعم ومشاركة الروائيين Malcolm Bradbury وAngus Wilson.
عندما نتتبع أصول هذا المصطلح “الكتابة الإبداعية” بالبحث في معجم الدوحة التاريخي والمعجم التاريخي للغة العربية، لا نجد نتائج ترتبط بالمعنى المتعارف عليه اليوم، ونتيجة لبحثنا المكثف عن جذوره وجدنا أن استخدم في كتاب “زمن الشّعر” للشّاعر السّوري أدونيس، الصّادر عن دار العودة عام 1972م، ولعله أول كتاب استخدمه، إلا أننا لا نجزم بعدم استخدمه في المكتبة العربية قبل هذا الكتاب، لذلك نرجو من المهتمين والباحثين في شؤون الكتابة الإبداعية البحث عمن استخدم هذا المصطلح قبل زمن الشعر.
ما هي الكتابة الإبداعية Creative writing؟
تُعرف الكتابة الإبداعيّة على أنّها تعبيرٌ كتابيّ شخصيّ مبتكر، غير مقلد، يحاكي الواقع، مستخدما اللغة والخيال لخلق نصوص عامرة بالشخصيات الحية، والأحداث المنطقية، والأماكن المخصصة.
عندما نتأمل تعريفات الكتابة الإبداعية المتنوعة، نجد أنها تتقاطع عند نقطة محورية، وهي الإبداع الإنساني. وإذا استذكرنا مفاهيم الأدب في العصر الحديث، نجد أنها أيضاً منت إذا، الإشكالية لا تنحصر بالمصطلحات “الكتابة الإبداعية أو الأدبية، أو مفهوم الأدب في العصر الحديث”، بل في مضمون هذه المصطلحات، أي في دلالتها، وهي دلالة متغيرة نتيجة تحولات تاريخية “اجتماعية وسياسية” لحضارات الإنسانية.
إذا، لا فروقات جوهرية بين الكتابة الأدبيَّة والإبداعيّة؛ تنويع بترتيب المفردات في التعريفات، فأصل الكتابة الأدبية والإبداعية الإنسان المبدع الخلاق، ، وهذا يطرح سؤالا:
ما أسباب الترجمة الحرفية لمصطلح creative writing/ كتابة إبداعيّة؟
ارتبطت المعاني الأخلاقية والتربوية بالأدب منذ العصور الجاهلية، ورغم أن التأويلات الحديثة للأدب تجاوزت هذه المفاهيم، إلا أنها تظل تلقي بظلالها على الكثير من القراء والكتاب. هذه الإشكالية تتعدى الأدب لتشمل جميع الفنون، والأمثلة كثيرة، فالروايات التي تسيء إلى المعتقدات الإسلامية لا تعتبر أدبا وفقا لهذا الارتباط، وأيضا الرسومات المسيئة للرموز الدينية لا يصنفونها ضمن الفنون “ الرسوم الكاريكاتورية للرسول الكريم مثالا”.
لذلك لا يطلَق بعض المحافظين مسمى”أديب”على الكُتّاب الذين يتضمن إنتاجهم ما يثير الغرائز أو يمس المقدسات. فمثلا، يُعتبر أحمد شوقي أديبا، بينما نزار قباني شاعرا فقط، رغم أن كليهما شاعر في الأصل.
أي أن ترجمة “Creativ writing” إلى “كتابة إبداعية” ليست نقلاً حرفياً للمصطلح الإنجليزي، أنها إشارات عميقة لتغييرات جذرية في طبيعة الأدب والكتابة، جاءت تجنبا للحمل الدلالي الثقيل لمصطلح “الأدب” في الوعي الجمعي العربي الذي يكرس القيم الأخلاقية والدينية المقدسة. واستجابة لرغبة ملحة للتحايل على المحدِّدات الأخلاقيّة المجتمعيّة والدينيّة، لأنها “بزعمهم” تؤطر الإبداع، وتضييق على الحرية الإنسانية.
إنها انتقال من الأدب التقليدي “التاريخي”، المحكوم بالمعايير الأخلاقية والدينية، إلى شكل من أشكال الكتابة يتميز بحرية الخيال والتعبير، ويرسخ مفهوم الأدب الحديث.
لذلك نجد أن مصطلح الأدب غالبا ما يتبعه الكتابة الإبداعية، فنستخدم في مدونتنا “ الأدب والكتابة الإبداعية” للدلالة على محتوى المدونة، والأدب يعني الكتابة الأدبية الموسومة بالمحافظة والالتزام، الالتزام الذي توسع سارتر في شرحه والتفصيل فيه في كتابه “ما الأدب”، أما الكتابة الإبداعية هي تلك الكتابة التي تتحرر من بعض القيود.
مثال على ذلك: في الكتابة الأدبية ذات السمة التربوية لا يمكن ربط القارئ بشخصية الشرير، أو تبرير أفعاله، بينما تحاول الكتابة الإبداعية رسم صورة بانورامية للشخصية وربط القارئ بها حتى لو كانت شريرة.
كما أن فكرة الشر المطلق غير منطقية والشخصيات القصصية خليط بين الشر والخير محكومة بالمنطق الروائي، وهذا يتماشى مع الكتابة الإبداعية “ وفق فهمنا لها كما وضحنا في هذا المقال”، بينما يتناقض مع الحمولة التربوية للكتابة الأدبية التي نجدها في كتابات على الطنطاوي على سبيال المثال.
ويمكن أن الترجمة جاءت بشكل عفوي وحرفي للمصطلح الإنكليزي، لكن تثبيتها وتعميمها، وكثافة تداولها، وُظف في إطار تأصيل مفهوم الأدب المعاصر.
ما الفرق بين الكتابة الوظيفية والكتابة الإبداعية؟
تسعى الكتابة الإبداعية لنقل فكرة أو رسالة محددة للقارئ، وكذلك الكتابة الوظيفية، وجوهر الاختلاف بينهما في طريقة إيصال هذه الرسالة، فغالبا ما تخاطب الكتابة الوظيفية العقل الواعي، بينما توصل الكتابة الإبداعية رسائلها للمتلقي عبر العقل اللاواعي.
فهدف الكتابة الإبداعية كما يرى عبدُ الفتّاح البجّة تّرجمةِ الأفكارِ والمشاعرِ الدّاخلية والأحاسيسِ والانفعالاتِ، ونقلها إلى الآخرِين بأسلوبٍ أدبيٍّ رفيع؛ بغيةَ التّأثيرِ في النفوس تأثيرًا يكاد يقتربُ من انفعال أصحابها. ولها عدة أصناف، مع أن الضوءَ يُسلَّط غالبًا على الشعر والروايات فقط.
على عكس الكتابة الوظيفية التي يبتعدُ فيها الكاتبُ عن تّرجمةِ الأفكارِ والمشاعرِ الدّاخلية، ويركزُ على سردِ وتدوينِ الحقائقِ والدراسات. ولها أيضا أصنافٌ كثيرة منها الكتابةُ الأكاديمية كالأبحاثِ العلمية والتقاريرِ، والكتابةِ التقنية.
وبنفس الوقت هناك مساحات واسعة تتقاطع فيها الكتابة الوظيفية مع الإبداعية، لذلك فالأسئلة عن الفروقات بين الكتابة الوظيفية والكتابة الإبداعية لا معنى لها في مناطق التداخل العضوي بينهما.
والسؤال الأهم هنا: ما الفرق بين الكاتب المتمكن من أدوات الكتابة الإبداعية، والكاتب الذي يفتقد مهاراتها، أي بصيغة أخرى:
ما الفرق بين الكاتب والمؤالف والمنضد؟
يميز أمبرتو إيكو “بين الأديبِ الذي ينُتجُ نصوصاً إبداعية، وبين الكاتبِ الرديء الذي يدونُ الوقائع، تماماً كما يفعلُ الموظفُ في البنك، أو الشرطيُ وهو يحرر محضراً”.
وذات المعنى نجدهُ عند رولان بارت فهو يميز بين الكاتبِ والمؤلف، فاللغةُ عند الكاتبِ “وسيلةٌ لغايةٍ غير لغوية، لذلك ينقل كل ما يكتبه بمعنىً واحدٍ فقط، وهو المعنى الذي يريدُ أن ينقله للقارئ، أما المؤلف فيتركز اهتمامُهُ على الوسيلة، التي هي اللغة، بدلا من الغاية، إنه مشغول بالكلمات لا بالعالم، فالمؤلف لا يبدأ من المعاني كما يفعل الكاتب، بل يسعى نحوها”
أما أدونيس فقد خصص جزءًا كبيرًا لمناقشة مفهوم الكتابة الإبداعية، في كتابه “ زمن الشعر”، الذي ذكرت فيه لأول مرة “ بحسب بحثنا” مصطلح الكتابة الإبداعية، فيرسم صورة سوداوية لمجتمع تُهيمن عليه سلطة جائرة، فتسود الكتابة الوظيفية نتيجة لذلك.
لذلك ينفي صفة “الكاتب”، عمن يكتب “كتابة وظيفية”، لأنهم “أدوات في أيدي السلطة، ومنضّدون لأفكارِها” حسب زعمه. وفي هذا السياق، يتوقع أن مستقبل الأدب العربي يعتمد على قدرة الكتاب على التحرر من قيود السلطة والتوجه نحو الإنسانية.
أي أنه يتحرر من المفهوم التاريخي للأدب، ويسعى لكتابة إبداعية لها حرية مطلقة، تتجاوز المحددات القيمية للمجتمعات الإنسانية.
ما هي خصائص الكتابة الإبداعية؟
للنص الإبداعي خصائص وسمات البحار العميقة، والقارئ يتماهى معه حسب مستوى قراءته وفهمه. فالبعض يكتفي بركوب السفينة دون تماس مباشر مع البحر، يكتفي بمتعة مشاهدة أمواج البحر، والأفق الممتد الذي تتلاصق به السماء مع أطراف البحر البعيدة، ذلك هو القارئ الذي يكتفي بالمستوى السطحي للنص، مستوى الحبكة والأحداث.
والبعض الآخر مثل السباح الماهر الذي يلتحم مع ماء البحر، فتتخلله، لتتسرب بعضها إلى أحشائه، فيتذوق ملوحتها، يقاوم الأمواج ويتعايش معها، أنه في حالة حرب مع البحر، لذلك نجده يقض الحواس، متأهب يخشى الغرق، ذلك هو القارئ الذي تسحره الكلمات، لأنه يقرأ لكاتب يكتب بالحواس، ويعيش حياة البطل، فيبكي عليه تارة، ويفرح لفرحة تارة أخرى.
وهناك الغواص الذي يخترق السطح إلى الأعماق السحيقة، متزودا بالعدة والعتاد، ليكتشف طبقات النص المختلفة، والغواصين أصناف وأنواع، منهم من يكتفي بالغوص قرب السطح، ومنهم من يغادرها لمعاينة طبقات البحر بفقدان الإحساس بالألوان واحدا تلو الآخر حتى يصل إلى القاع، ذلك هو القارئ الناقد الذي يكشف جماليات النص وعيوبه.
هكذا هو النص الإبداعي وهذه هي الكتابة الإبداعية، وليصبح للنص طبقات، سطحية ومتوسطة وعميقة لتحتك مع مختلف القراء، لابد أن يتميز بخصائص تميزه عن غيره من الأنماط الكتابية.
لذلك يتميز النص الإبداعي بالخيال في رسم العوالم والشخصيات، بلغة تصويرية فريدة، والحرية في تجريب الأساليب والتقنيات الكتابية، كما أنه نص مشوق لا نمل من قراءته، وتكرار القراءة، مع إدراكنا أنه نص يعبر عن وجه نظر شخصية للكاتب المبدع الذي يمتلك الأدوات والتقنيات ليوصل لنا جرعات مكثفة من تجارب عاطفية متنوعة.
ختاماً
الحديث عن الإبداع والمبدعين لا ينتهي، والكتابة الإبداعية مظلومة في عالم تسوده المباشرة والتقريرية، عالم تسكنه التقريرية المبررة بحجج الوضوح والابتعاد عن الغموض، لأسباب كثيرة منها ما هو متعلق بالتعليم المدرسي يقدس التلقين بشكل تقريري مباشر خال من الخيال، ومنها ما هو متعلق بتعليم اللغة العربية نفسها.
لقتني كيف أن النص يناقش “الكتابه الابداعيه” وأن كيف النص يُميّز بين الكاتب المتمكن من أدوات الكتابة الإبداعية والكاتب الرديء،ويُختتم النصّ بالتأكيد على أهمية الكتابة الإبداعية في عالمٍ يُسيطر عليه التقرير والمباشرة، مشيراً إلى أسباب هذا الوضع.
المقال أيضا يجيب عن سؤال: ما أسباب الترجمة الحرفية لمصطلح creative writing/ كتابة إبداعيّة؟
السؤال الذي اعتقد أنه لم يطرح قبل ذلك.