بناء الشخصية الشريرة في الكتابة الإبداعية

لماذا نُحب والتر وايت أكثر من الأبطال؟
في عام 2008، بنى كتّاب مسلسل Breaking Bad المعروض على شبكة AMC شخصية والتر وايت الخيالية، فصفعتنا على وجوهنا إذ بدت أصدق من كثير من البشر الحقيقيين. معلم كيمياء مريض، خائف من الموت، يقرر أن يُنتج المخدرات، سرق قلوب ملايين المشاهدين في مشارق الأرض ومغاربها، يتمنون له النجاح والنجاة في كل خطوة، حتى بعد أن تحوّل إلى وحش لا يرحم.
هذا ليس استثناءً. من فيتو كورليوني في The Godfather إلى الجوكر، الجمهور اليوم يتعلق بالشخصيات الشريرة أكثر من تعلقه بالأبطال. لماذا؟
لن نجد الجواب في الشر، بل في طريقة بناء الشخصية الشريرة، أو بناء الشر ذاته.
الشرير الحقيقي لا يعرف أنه شرير — الشخصية الورقية في الدراما العربية
ما يحدث في الأفلام والمسلسلات العربية أنها تطرح شخصيات خيرة بالمطلق، وأخرى شريرة بالمطلق. الشرير فيها يعرف أنه شرير ويتصرف بناءً على ذلك، يضحك ضحكته المعروفة، يعذّب الأبرياء دون سبب. هذا النوع لا يُقنع المشاهد، ولا يستهوي القارئ، لأنه لا يشبه البشر الحقيقيين، فالبشر “حتى المجرمين” لديهم منطق داخلي يبرر لهم أفعالهم.
قد نتفهم هذا في قصص الأطفال، لكن الإصرار عليه في الدراما العربية الحالية هو تسطيح ساذج لبناء الشخصية.
من أبسط وأعمق دروس الكتابة الإبداعية: الشخصية الشريرة لا ترى نفسها شريرة. هي تؤمن أنها على حق، وتملك منطقها الخاص الذي يبرر كل ما تفعله.
كيف يبرر الشرير شره: ثلاثة نماذج حية
الحياة مليئة بشخصيات تمتلك منطقاً داخلياً يبرر لها أفعالها الشريرة. منهم من يبرر الشر بالقيمة والمبدأ، فزعيم المافيا الشهير فيتو كورليوني في فيلم The Godfather يبرر كل جرائمه باسم حماية العائلة، ولسان حاله يقول: “أنا لا أقتل، أنا أحمي من أحب”. وكذلك تانوس في Avengers الذي يُبيد نصف البشرية وهو مؤمن أنه المنقذ المخلص الذي لا يفهمه أحد. بل إن أدولف هتلر نفسه كان ينظر إلى أفعاله على أنها ضرورة تاريخية، ويرى نفسه مُخلّصاً ينفذ إرادة العناية الإلهية لإنقاذ ألمانيا.
ومنهم من يبرر أفعاله بالضرورة وجرحه القديم، كنوح في مسلسل Dark الذي يرتكب أفعالاً مروعة بحق أبرياء، لكن منطقه الداخلي يقول: أنا أحمي مستقبل البشرية، فكل ما أفعله ضرورة لا خيار بحسب منطقه المبرر للشر. وهو نفس منطق الزوج المعنّف الذي يبرر أفعاله بقوله: رأيت أبي يفعل هذا، هذا تأديب مباح شرعاً “واضربوهن”.
وقسم كبير يبرر أفعاله بالمرارة التي يشعر بها أحياناً، والكبرياء وعزة النفس أحياناً أخرى. وأفضل مثال والتر وايت نفسه الذي يرى نفسه عبقرياً سُرق منه حقه، وجرائمه في نظره ليست إلا محاولة لاسترداد ما يستحقه. هذه المرارة ذاتها نجدها عند الموظف الحكومي الذي يصرخ في المراجعين، والطبيب الذي يتجاهل أوجاع مرضاه. هؤلاء ليسوا أشراراً بطبعهم، هم ضحايا نظام هرمي قاسٍ، يعانون من ظلم رؤسائهم، فيستبدون على مرؤسيهم.
المشكلة إذن ليست في الأشخاص. المشكلة في النظام الذي صنعهم.
كيف تكتب شريراً مقنعاً؟
بناءً على ما سبق، بناء الشخصية الشريرة المقنعة يحتاج أولاً إلى تبرير داخلي مقنع. عند كتابتك شخصيةً شريرة اسأل نفسك: ماذا تقول هذه الشخصية لنفسها حين تنام، وكيف تفسّر أفعالها؟ بالإجابة عن هذه الأسئلة تكون قد كشفت المنطق الداخلي لشخصيتك الشريرة.
كما لا بد من البحث في جذور شرها، فالأشرار لا يولدون أشراراً في الغالب، فوالتر سرقت خطيبته السابقة وصديقه المقرب براءة اختراعه واستغلا ظروفه واشترياه بمبلغ زهيد 500 دولار فقط، والوحش في رواية فرانكنشتاين لماري شيلي الذي حاول إيجاد الحب والقبول من الناس وعندما رفضوه سعى للانتقام من العالم الذي صنعه، فالبحث في جذور شرهم — ما الذي كسرهم، خذلهم، عنّفهم، ظلمهم، همّشهم؟ ظرف أو جرح صنع منهم وحوشاً — من أهم عناصر بناء شخصية الشرير.
ولزيادة جرعة الإثارة والإقناع، غالباً ما يستخدم الكتّاب تقنية “إبراز التناقض” في الشخصية. فالشخصية التي تجمع بين نقيضين هي الأكثر إثارة، فالرجل المتدين النصّاب أقوى من النصّاب العادي، هذا التناقض هو لب الشخصية الإنسانية.
وباختصار، للإجابة عن سؤال كيف تكتب شريراً مقنعاً: اصنع له منطقاً داخلياً، وابحث في جذور شره، وأبرز التناقض بين ما يُظهره للعالم وما يفعله في الخفاء.
**لماذا نتعلق بالشخصيات الشريرة؟ — والتر وايت نموذجاً**
نحن دائماً نتعاطف مع المظلوم، الضعيف، المريض، الفقير، وكل من ألمّت به مصيبة أو ضنك. إذا عدنا إلى شخصية والتر وايت في Breaking Bad سنجد أنه منذ البداية ضحية: مريض، فقير، مظلوم، ومعلم مجتهد، وأب صالح، وبالتالي نتعاطف معه بحكم طبيعتنا البشرية خصوصاً وأنه يتعرض إلى التنمر من الطلاب الأغنياء. ثم تبدأ رحلة تحوّله ببطء شديد، قرار صغير ثم قرار أكبر، حتى يصبح هو الزعيم، زعيم الشر الذي يُحسب له ألف حساب.
لكننا ورغم تحولاته السلبية، من شخصية المعلم الوقور والأب المثالي، إلى مصنع المخدرات ثم تاجر المخدرات وصولاً للقتل العمد، بقينا نحبه، لماذا؟
ظللنا نحبه لأننا رأينا كيف وصل إلى هنا، رأينا منطقه الداخلي المقنع خلف كل قرار يقرره، وخلف كل جرم يرتكبه، لم يكن تحوله للشر مفاجئاً، كان تراكماً بشرياً مفهوماً، ورأينا جذور هذا الشر من مرارة وألم وشعور الخذلان وفقدان للعدل وعدم تقدير لموهبته في الكيمياء، ورأينا التناقض بين ما يظهر عليه وبين حقيقته.
بلغ هذا التناقض حده الأقصى حين شك هانك، صهره ومحقق المخدرات، في الجميع حتى زملاءه، لكن والتر؟ يستحيل! هذا الأستاذ النزيه الذي بدا في الحلقة الأولى عاجزاً حتى عن حمل مسدس.
القارئ يتعلق بالشخصية الشريرة لأنها غنية، فيها أجزاء منا، تشبهنا في بعض اللحظات، نحبها لأنها ترينا مآلات تراكم هذه اللحظات، وإلى ماذا ستؤدي، فتعطينا جرس تنبيه: توقف هنا، انظر لهذه الشخصية الشريرة أو تلك كيف تكوّنت وكيف نمت وكيف تحوّلت؟ هل تريد أن تنتهي كما انتهوا؟ قد يكون هذا الاعتراف الصامت بأنها تشبهنا هو سر التعلق.
ادرس شريرك ثم اكتبه- تدريب عملي
الشخصية الشريرة لا يكتبها “الكاتب الساذج” كما يسميه أورهان باموك — ذلك الكاتب الذي يكتب دون تخطيط من وحي الإلهام، إنما يكتبها الكاتب الحساس الذي يضعها في الميزان ويدرس أفعالها وردود أفعالها، ويفسر الفعل وردّة الفعل حتى صمتها ولا فعلها اتجاه متغير ما يدرسه بعناية. على سبيل المثال، والتر كان يصمت ويتجاهل إساءات مديره في العمل، ويتجاهل سخرية الطلاب منه في الفصل، ويتجاهل سخريتهم له في مكان غسيل السيارات، هذا الصمت كان تراكماً طويل الأمد حتى جاء السرطان ليكون الشرارة التي فجّرت كل شيء. أي أن الشخصية الشريرة تُقاس بالمسطرة والقلم وعلينا أن نخطط لها بعناية ودقة.
إنها تُدرس جيداً، لنفهم منطقها الداخلي، وكيف تكوّن هذا المنطق، ويجب أن نعرف جذور شرها، ونبرز تناقضاتها الإنسانية المبررة فيها، وبعد ذلك نكتبها وكأننا نعرفها جيداً.
وأنت ككاتب، يجب أن تفهم مهنتك جيداً، أنت لست قاضياً في محكمة، مهمتك ليست الحكم على شخصياتك، بل أن تفهمها، تفهم بواعث الخير فيها، ونوازع الشر فيها، كن حذراً أن تقع في مطب القاضي، المطب الذي يؤدي لفشل أي شخصية تبنيها إن حاكمتها بمسطرتك الأخلاقية.