✒️ سرديّات: مصدرك الآمن لتعلّم تقنيات الكتابة واكتشاف العوالم السحرية للأدب والكتابة الإبداعية
تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سَرْدِيَّات

جوائز أدبية

جائزة القلم الذهبي للرواية .. واقتصاد الانتباه في الرواية العربية

عليوي الذرعي - كاتب ومدرب كتابة 23 يوليو 2024 1,621 كلمة · 8 دقائق قراءة

على غلاف الرواية الفائزة يُلصق شعار صغير: دائرة ذهبية، أو شريط أحمر، أو كليشة تسويقية تخبرنا أن الكتاب حصد الجائزة أو وصل إلى مرحلة معينة من التصفيات سواء وصوله للقائمة الطويلة أو القصيرة. لكن ذلك لا يُغير جملة واحدة في المتن، ما يغيره نظرة القارئ للكتاب، فيتحرر الكتاب من ازدحام العناوين ليحظى بالصدارة في قائمة المشتريات، فالجائزة دليل دامغ على أن الكتاب حظي بالقراءة والنقاش وتوج بالجائزة.. هنا تبدأ سلطة الجائزة. ولعل إعلان هيئة الترفيه السعودية في 19 فبراير 2025، نتائج الدورة الأولى من «جائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيراً»، علامة فارقة في عالم الجوائز الأدبية، إذ ربطت في جوائزها الكبرى، بين الكتابة ووعد الإنتاج السينمائي؛ أي إنها انتقلت من السؤال الأدبي المألوف: «أي الروايات تستحق التقدير؟» إلى سؤال أشد تعقيداً: أي الروايات ستُمنح حياة أخرى خارج الكتاب.

“هنا تبدأ سلطة الجائزة.”

هذا التحول هو ما يجعل «القلم الذهبي» جديرة بالاهتمام، فالجائزة تشتبك في منطقة الاقتباس، مع حقوق مؤلف، وعمل ناشر، وحرية السيناريست وميزانية المنتج، لتقترح على القارئ والمشاهد العربي صورة عن الرواية الجديرة بالمشاهدة وفق وجه نظر الجائزة.

الجوائز وإدارة انتباه القارئ.. توجيه القراء نحو كتاب

اعتاد الخطاب الثقافي العربي أن يصف الجوائز بأنها حوافز للكاتب وتشجيع للقراءة. ذلك صحيح، لكنه لا يشرح ما يحدث فعلاً. الجائزة، في معناها العملي، جهاز ينسّق انتباه الناس. هي تقول للناشر: أعد الطباعة. وللصحافي: اكتب. وللمكتبي: ضع هذا العنوان في الواجهة. وللقارئ: لست وحدك من اختيار هذا الكتاب.

“هي تقول للناشر: أعد الطباعة. وللصحافي: اكتب. وللمكتبي: ضع هذا العنوان في الواجهة. وللقارئ: لست وحدك من اختيار هذا الكتاب.”

خلصت دراسة عن جائزة غونكور الفرنسية، إلى أن الجائزة تزيد المبيعات للكتب غير رائجة، وأن جزءاً من الأثر يمر عبر كثرة الحديث عن الرواية وزيادة المراجعات النقدية لها، لكنهما لاحظا أيضاً ارتفاع احتمال المراجعات السلبية، وتثبت الدراسة أن الجائزة تمنح العمل الأدبي فرصة للقراءة والانتشار، وتمنحه مساحة للنقاش والتداول الإعلامي، لكنها تبقى عاجزة عن التنبؤ بما يتمخض عنه هذا النقاش وتلك القراءة. ورغم أهمية القيمة المالية للجوائز التي تشتري وقت الكاتب وتمنحه له، لكن بعض الأعمال وبعض الكتاب والكتب المتوَّجة، تختفي ترجماتها أو طبعاتها الجديدة، مثل هذه الأعمال حظيت بلحظة ضوء، لكن المنتج متفحم أصلا.

الرواية لا تصل إلى التحكيم وحدها

قد نتخيل لجنة التحكيم في غرفة معزولة تقرأ نصوصاً متساوية الحظوظ. النص لا يأتي وحيداً؛ يصل ومعه اسم الكاتب، وسمعة الناشر، وتاريخ العمل السابق، وشبكة التوزيع، وأحياناً صورة مسبقة عن البلد أو الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه. في تحليل لجائزة بوكر شمل أكثر من ألف ترشيح، وجد باحثون أن «التكريس الثقافي» ناتج عن مكانة الكاتب والناشر وموقعهما في الحقل الأدبي. بالطبع لا يجوز نقل نتائج هذا التحليل إلى العربية، لكنه يطرح سؤالاً عربياً مشروعاً: هل تمنح الجائزة الروايات فرصا متساوية، وما مصير الروايات الجيدة التي لا تفوز بالجوائز؟

“النص لا يأتي وحيداً؛ يصل ومعه اسم الكاتب، وسمعة الناشر، وتاريخ العمل السابق، وشبكة التوزيع.”

دراسة أخرى عن ثقافة الجوائز توضّح كيف تتحول الجائزة إلى أصلٍ رمزي للدار: تُطبع على الغلاف، وتدخل في تسويق الكتب اللاحقة، وتساعد الدار في تثبيت صورتها بوصفها ناشراً «ذا ذائقة». ثم تعود هذه السمعة لتفيد الكتب المقبلة. وهذا يعني أن الناشر هو الفائز الحقيقي، وهو فوز يستحقه خصوصا أن بعض دور النشر تحرر النصوص وتصممها وتوزعها وتدافع عنها. لكن بذات الوقت نزاهة الجائزة تفرض عليها أن لا تتجاهل الفارق بين دار تمتلك شبكة توزيع عابرة للبلدان، ودار صغيرة لا تملك إلا إيمانها بالمخطوط الذي رشحته. لذلك يحتاج المشهد العربي إلى جوائز ومسارات تمنح الناشرين المستقلين والمخطوطات غير المنشورة فرص أكبر.

تحيز السيرة: حين يُقرأ الكاتب قبل كتابه

يكفي أن يقال إن التحكيم «موضوعي» كي يشعر الجميع بالاطمئنان، لكن تعريف الأدب وتقييمه من أكثر المسائل تعقيدا، إذ كشفت دراسة حديثة أن مهنة الكاتب ووضعه الاجتماعي وقدرته على التفرغ ظهرت في تقييمات اللجنة؛ وأن صورة «الكاتب الحقيقي» قد تضر بمن يكتب إلى جانب وظيفة أو عمل آخر.

قد يتهم البعض لجان الجوائز العربية بالتحيز، وتشن عليهم حروب دونكيشوتية، ممن لم يحصلوا على الجائزة. لا نعلم الآليات التي تمر عبرها الروايات الفائزة، وهذا سؤال يغفله الصحفيون الثقافيون الذين يلتقون باللجان والكتاب المتوجون بالجوائز، لكن المفترض أن تبدأ العملية بقراءة أولى بلا أسماء «كتاب ودور نشر» ولا سير ذاتية، وبعد الوصول إلى قائمة محدودة، تُكشف الأسماء لفحص تضارب المصالح بين أعضاء اللجان وبين الكتاب ودور النشر، فالأوساط الثقافية في عوالمنا العربية صغيرة، قد تتضارب المصالح بين عضو لجنة له كتب وإصدارات في دار نشر معينة، ومصالح دار نشر منافسة لها، حتى المعارك الإعلامية في فضاء السوشيال ميديا قد تكون مانعة لاستمرار عضو لجنة التحكيم في ممارسة عمله بالتحكيم، فإذا وجد تضارب المصالح أو هوشات السوشال ميديا بين الكتاب وأعضاء اللجنة، هنا لا بد من إعادة تشكيل لجنة أخرى، وفق التراتبية ذاتها، أي تقدم الأعمال المختارة وتعرى من أغلفتها، وأسماء دور النشر والكتاب وتعرض على لجنة جديدة لاختيارها دون انحياز. لكن هذه الآلية قد لا تنجح وأمامها تحدّيات كثيرة لعل أهمها أنّ النقاد الذين يشكلون اللجان غالبا ما يتمتعون بالعين القارئة الثاقبة، ولديهم حساسية تجاه الكلمة والحرف، فصوت الكاتب وأسلوبه والثيمات التي يتناولها قد تكشفه لهم، وهذا التحدي يذوب ويضمحل بالنسبة للكتاب الذين ينشرون لأول مرة.

الترجمة وجائزة ترضية

تُذكر الترجمة غالباً في الجوائز العربية في آخر البيان الصحافي، بعد المال والحفل، وفي ذلك تجاهل لأهميتها، إذ ينظر للترجمة في دراسات «الجوائز والتحويل الثقافي» كقوة تحدد مسارات انتقال الأعمال الأدبية في فضاءات الجغرافية واللغات والقراء. وفي ذلك تجاهل لأهميتها، ولهذا المأمول من الجوائز العربية أن تتزامن ترجمة الرواية الفائزة، مع ترجمة جميع روايات القائمة القصيرة. وفي ذلك تخفيف من المسؤولية الأخلاقية للجنة الجائزة، فجميع روايات القائمة القصيرة ستحظى بالترجمة والفوز بفضاءات أوسع من الجغرافية واللغة العربية، ولعل تجربة «البوكر الدولية» لافتة في هذا الباب فهي تقسم الجائزة المالية بالتساوي بين المؤلف والمترجم. هذا اعتراف بأن المترجم شريك في وصول العمل إلى قارئ جديد.

“ليست كل رواية جيدة صالحة لفيلم، وليست كل رواية قابلة للفيلم جيدة بالضرورة.”

القلم الذهبي: من جائزة رواية إلى ميادين الحقوق

تميّزت «القلم الذهبي» بأنها لم تحصر نفسها في الرواية الأدبية التقليدية. فتحت باباً للسيناريو ولأنواع سردية من التشويق والرعب والفانتازيا والرومانسية والتاريخ، ومنحت جائزة للجمهور وأخرى للناشر. هذه الفئات تقول إن القارئ العربي لا يعيش في المكتبة التقليدية، وإن أشكال الحكاية الشعبية والجماهيرية تستحق أن تدخل النقاش النقدي.، لكن انتقال الرواية إلى الشاشة هو المنطقة التي تستحق أكبر قدر من التدقيق. ليست كل رواية جيدة صالحة لفيلم، وليست كل رواية قابلة للفيلم جيدة بالضرورة. الرواية تمنح القارئ حرية الدخول إلى الوعي واللغة والزمن الداخلي، بينما يحتاج الفيلم إلى اقتصاد آخر في المشهد والإيقاع والتمثيل والتمويل. وإذا صار «قابلية الاقتباس» معياراً خفياً للحكم الأدبي، فقد تبدأ الكتابة الروائية بالتكيف مع المنصات الجديدة.

وإذا صار «قابلية الاقتباس» معياراً خفياً للحكم الأدبي، فقد تبدأ الكتابة الروائية بالتكيف مع المنصات الجديدة.

خريطة الجوائز العربية..

لا توجد قائمة نهائية ثابتة لـ«كل الجوائز العربية المعتبرة»؛ تتغير الفئات والدورات، وتظهر جوائز وتتوقف أخرى. لكن يمكن رسم خريطة وظيفية تساعد القارئ والكاتب على فهم ما الذي تضيفه كل جائزة إلى المشهد.

المجالالجوائز الأبرزما الذي يميزها؟
الرواية العربية المنشورةالجائزة العالمية للرواية العربية، كتارا للرواية العربية، القلم الذهبيالأولى تصنع موسماً للقوائم والترجمة، والثانية تفتح مسارات أوسع للمنشور والمخطوط والنقد، والثالثة تختبر الصلة بين الرواية والسينما.
الرواية والترجمة إلى الإنجليزيةجائزة نجيب محفوظ للأدبتمنح جائزة مالية وترجمة ونشراً بالإنجليزية؛ أي إن أثرها لا يقف عند التتويج.
الكتاب والثقافة في معناهما الواسعجائزة الشيخ زايد للكتاب، جائزة السلطان قابوس، جائزة العويس الثقافيةتكافئ الأدب والنقد والترجمة والإنجاز الثقافي، وبعضها يكرّم المسيرة لا كتاباً واحداً.
الأصوات الجديدةجائزة الشارقة للإبداع العربي – الإصدار الأول، جائزة ساويرس الثقافيةالأولى تعطي المخطوط الأول غير المنشور مكاناً مؤسسياً، والثانية نموذج وطني مؤثر في دعم الكتّاب الشباب والكبار.
الأجناس الأقل حظاً من الروايةجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابيتردّ الاعتبار إلى القصة القصيرة والدراسات النقدية، وتمنع احتكار الرواية للمشهد كله.
الترجمة من العربية وإليهاجائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي، جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمية للترجمة، جائزة سيف غباش – بانيبالتكافئ المترجم والمؤسسة والكتاب المترجم، وتعمل على العبور بين العربية واللغات الأخرى.
الأطفال واليافعونالجائزة الدولية لأدب الطفل العربيتنظر إلى صناعة كتاب الطفل: الكاتب والرسام والناشر والإنتاج، لا إلى النص منفرداً.
التلقي خارج العربيةجائزة الأدب العربي في معهد العالم العربي، جائزة محمد زفزاف للرواية العربيةالأولى بوابة إلى الفرنسية، والثانية تقديرية تحتفي بالمسار الروائي وقيم الحرية والتعدد.

هذه الخريطة لا ترتب الجوائز من الأعلى إلى الأدنى، فلا يمكن أن تصنف الجوائز بهذا الشكل العمودي. فالجائزة التي تمنح ترجمة العمل قد تكون أنسب للكاتب من الجائزة الأعلى ماليا. والجائزة الخاصة بالمخطوط الأول ليست أقل قيمة من جائزة الروائيين المعروفين؛ فهي تصنع كاتبا كان من الممكن أن ينصرف عن الكتابة.

ما الذي تحتاجه الجائزة العربية الآن؟

تحتاج الجوائز العربية إلى سيرة ذاتية، إلى حياة موثقة بعد إعلان النتيجة. يمكن لكل جائزة أن تُصدر، بعد عام من كل دورة، تقريراً صغيراً يجيب عن أسئلة عملية: أين توزعت الروايات الفائزة؟ كم طبعة صدرت؟ هل أنجزت الترجمة؟ ما الذي حدث لحقوق الاقتباس؟ كم ناشراً مستقلاً وصل إلى القوائم؟ ومن هم الذين لم يستطيعوا التقديم أصلاً بسبب شرط النشر أو الجغرافيا أو اللغة؟ هذا التقرير سيزيد من شفافية الجائزة ويعزز مصداقيتها، والأهم أنه سيجعل نقدها قائما على أسس وقواعد، وتتخلص بذلك الجائزة من تطرف بعض المنتقدين، ويفرز النقد بين نقد موضوعي قائم على حقائق وأدلة وبين نقد رغبوي انطباعي لا مرتكزات حقيقية له.

الأدب لا يحتاج إلى محكمة عليا تعلن أفضل نص في كل عام. يحتاج إلى مؤسسات تمنح الكاتبَ والكتابَ فرصة عادلة ليصِلا للقارئ، وتمنح القارئ أسباباً جديدة ليقرأ، وتحفظ حق الكاتب حين تتحول روايته إلى ترجمة أو فيلم أو مسلسل. عندها فقط تكون الجائزة قد منحت ما هو أكبر من الدرع والمكافأة: منحت الكاتبَ والكتابَ حياةً أخرى.

الأدب لا يحتاج إلى محكمة عليا تعلن أفضل نص في كل عام. يحتاج إلى مؤسسات تمنح الكاتبَ والكتابَ فرصة عادلة ليصِلا للقارئ،

ملاحظة منهجية

سبق أن كتبتُ عن الجوائز الأدبية مقال : الجوائز الأدبية.. قُبلة موت رفضها أدباء يعشقون الحياة بوصفها “قبلة موت”، أما هنا فالسؤال معكوس: كيف تُدار الجائزة حين تُقبل لا حين تُرفض.

ملاحظة ثانية: النتائج البحثية المذكورة في المقال مستمدة من حالات غربية؛ لا تصلح بوصفها حكماً جاهزاً على الجوائز العربية. قيمتها أنها تفتح أسئلة قابلة للفحص عربياً: عن الناشر، والتمثيل، والتحكيم، والترجمة، والأثر اللاحق للفوز. وتبقى الحاجة قائمة إلى قاعدة بيانات عربية تجمع الترشيحات والقوائم ولجان التحكيم وحقوق الترجمة والاقتباس، بحيث يصبح الحديث عن الجوائز مبنياً على دراسات وأبحاث ومعلومات حقيقية.

شارك المقال

أضف تعليقاً