✒️ السيرة الذاتية
الميلاد والنشأة الأولى
ولدتُ في مدينة الرقة السورية على ضفاف نهر الفرات عامَ 1979، وفي بواديها الفسيحة نشأت أستنشقُ الهواء المُخضب برائحة الشيح والقيصوم، وأصطاد طيور القطا والصعو والحمام البري، وأرعى الخراف الوديعة، وأحصد الحنطة والشعير.
كانت طفولة مفعمة بالحياة في رحم الطبيعة الغَنَّاء، وتغذيت في طفولتي بحديث الجدات وسوالف العمات والخالات.
وفي بلدة وادعة على ضفاف الفرات بدأت أتلقى تعليمي، كان تعليما تقليديا يشرف عليه بعضُ المدرسين الأكفَاء، وكثيرُ من المعلمينَ البسطاءِ.
كنت أعشق الحرف وأقدس الكلمة "ولا أزال" في مراحل دراستي المبكرة، فأقرأ بنهم، ساعدني على ذلك افتتاح مركز ثقافي بغرفة واحدة في بلدتي الصغيرة، إلا أنني كنت أعاني من ضيق القائمين عليه من كَثرة تبديلي للكتب التي أستعيرها ليوم أو يومين.
لِدرجة أن أمين المكتبة أحجم عن إِعارتي الكتبَ، وتوسط لي مهندس مدني عند عامل المكتبة. لا تزال كلماتهُ ترن في أذني: "وما علاقتك أنت.. وظيفتك أن تُعيرَهُ الكتاب قرأهُا أم لم يقرأهُا".
«كلماتٌ عابرة، لا أظنُ أنهُ يذكُرها الآن. لكنها كانت علامةً فارقةً بحياتي القرائية. كم أودُ أن أكونَ أنا الآخر علامةً فارقةً بحياة شباب آخرين لأُعِينهم على طريق القراءة والكتابة، وهي طرقٌ وعرة دون مُرشد ومنهج.»
كانت القراءة مدخلي لعالم الكتابة، إلا أن بعض النصائحِ التي كنتُ أتلقاها أعاقت تقدميَ المبكرَ. كنت أتمنى أن ينصحني أحدهم بأن تترافقَ الكتابةُ مع القراءة، وأن يُرشِدَني لضرورة تلخيص الكتب وصنع قاموس للمشاعر.
«دخلتُ عالم الكتابةِ مبكرا بأسماءَ مستعارة، ودخلت عالم النشر باسمي الصريح متأخرا. أغبطك يا من تمتلك الفرصة أن تعبر عن ذاتِك وتكتبَ ما تشاء باسمك الصريح دون أن تتعرضَ لتضييق أو مساءلة.»
الدراسة والكتابة
درستُ أحد فروعِ الهندسة، ومنها تعلمت هندسةَ الحروفِ والكلمات، وأدركتُ أن الكتابة مثلُ الوجود متوسعة "وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" سرمديةٌ لا نهاية لها ولا بداية، وهنا وجدت نفسي في ضياع بتعدد الاهتمامات وكَثرة المشاغل.
كان دواء ذلك في الكتابة التي اتخذت منها عادة يومية لتوثيق مجريات حياتي والتعبيرِ عن ذاتي. أغلب تلك المُذكِرات حذفتها — وكم كنت أتمنى أن يرشدوني إلى أهمية الاحتفاظ ببواكير الكتابة، فتلك المُسوَدات كَنزٌ يوثق تطور الفهم مع الزمن.
عملت في هيئة التخطيط والتعاون الدولي، وحضرت ورشًا تدريبية مكثفة في مجالات الفقر والتنمية والجوع. وكانت جولاتي الميدانية مع برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة WFP معينًا لي على رؤية أنماط سلوكية متباينة من البشر.
«درستُ أحد فروعِ الهندسة، ومنها تعلمت هندسةَ الحروفِ والكلمات، وأدركتُ أن الكتابة مثلُ الوجود متوسعة — سرمديةٌ لا نهاية لها ولا بداية.»
الكتابة والتدريب
أدركت مبكرا حجم التأثير الذي يحدثه التدريب في قناعاتي وفي نفوس زملائي. والنظرة السائدة عند الأغلبية الساحقة أن الكتابة موهبة، وليست مهارة مكتسبة بالتدريب والممارسة.
هذه الفكرة المغلوطةُ تئد الكاتب الشغوفَ بالكتابة في بداياته، كما كانت العرب تئد بناتها في الجاهلية. بحثت في جذورها التاريخية لأكتب مقال "مصادر الإبداع.. بين شياطين الشعر والسوداوية والفكر الخلّاق" درست فيه تطور هذه الفكرة منذ شياطين الشعر إلى أبحاث علم الأعصاب الحديث.
التقييمات النهائية من نوع "لا تمتلك الموهبة" خاطئة ولعنة على صاحبها — قد يطلقها مدرس فاضل أو روائيٌ مشهور. لكن ما يحقق تنبؤاتِهم هو تصديقك لها والعمل بمقتضاها فقط.
«إن تجاوزتَ هذهِ الفكرةَ الغبيةِ، فهنيئا لك، فقد خطوت خطواتك الأولى في عوالم الكتابة — "عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ" كما يقول المتنبي.»
إضافةً إلى تَجْوالي في البادية السورية والاختلاط بالناس البسطاء، كنت أدونُ صفاتهم وآلامهم النفسية، ثم أمزج بين الصفات النفسية والمظاهر الشكلية لأخلق شخصيات خيالية مستمدة من الواقع ولا تتواجد فيه.
الكتابة والذات
كنت أبحث عن ذاتي التي غيبتها سنوات من القراءة للآخرين. سمعت عبارة "سنرحل ويبقى الأثر" فكنت أتساءل هل سيكون لي أثر بعد مغادرة هذا العالم أم سأُنسى.
بعد الانتقال إلى إسطنبول مارستُ العمل التدريبي ست سنوات متواصلة بمدارسِ دمج تحت إشراف منظمةٍ دولية، وهذا شجعني على تقديمِ برامجَ تدريبيةٍ مكثفةٍ مناسبةٍ لكل فئة عمرية.
وإلى يومي هذا، لا تزال تصلُني من طلابي رسائل امتنان وعرفان بحجم التأثير الذي حدث لهم حتى بعد مغادرتهم هذه البلاد والاستقرار بمغارب الدنيا ومشارقها.
«أقرأ بكلمات طلابي التي يخطونها لي كلماتِ ذلك المهندس الغائبِ عني، الحاضرِ بوجداني، الذي وبخ عامل المكتبة في يوم من الأيام. أقرأ بكلماتهم حجم الامتنان الذي أُكنهُ له.»
كتب النقد والكتابة
في بداياتي قرأت في كتب النقد فترة طويلة وبغيتي أن أتعلم الكتابة. كنت أظنُ أن الناقد يشير لأسباب تصنيفه لنص ما أنه رديء، وبالتالي يعلمنا الكتابة فنتفادى القبح ونركز على مواضع الجمال.
لكن من خلال قراءاتي وجدت مديحا انطباعيا لا ينقل لي تقنية كتابية أستفيد منها. كتبت أيضا مقالا بعنوان "عصر الـ Goodreads.. الأدب بين النقد الأكاديمي وقراءات المتصفّحين" تناولت فيه إشكاليات النقد المعاصر في عالمنا العربي.
أخيراً اهتديت إلى طريق واضح وبسيط: دراسة علم الرواية وعلم القصة. نعم هو علمٌ مستقلٌ، له قواعده وأساسياته التي يجهلها كثيرٌ من الكتاب المميزين — يمارسونها فطرياً لكنهم لا يستطيعون نقلها لغيرهم. لا أزال أستغرب أنه في عالمنا العربي لا تُدرَّس الكتابة الإبداعية كعلم.
فطموحُ هذا الموقع أن يكون:
مَصدرَك الأمن لتَعَلُّمِ تقنيات الكتابة، واكتشاف العوالم السحرية للأدب، والكتابة الإبداعية.